الرحمن الذي هو مركز التدبير العام للعالم كله كما بيناه في تفسير قوله تعالى:
﴿ثم استوى على العرش يدبر الأمر﴾ (يونس: 3) .
فإذا صح بالأدلة الفنية أن للأرض حياة، وأن لهذه الحياة مركزا عاما فالأقرب
إلى الشرع حمل هذا على ملك من هؤلاء الملائكة المدبرات لأمور العالم، ويخالف
أصول الشرع وعقائده تسمية ذلك إلها، والدعوة إلى عبادته، فإذا كان مؤلف هذا
الكتاب مؤمنا بأن القرآن كلام الله تعالى، وأن محمدا رسول الله، وليس لنا أن نشك
في إيمانه - فيجب عليه أن يتوب من هذه النزغة كما وعد شيخ الأزهر في الخطاب
الذي أرسله إليه بأنه يرجع إلى الحق إذا تبين له، وإنه لفاعل إن شاء الله تعالى.
(المسألة الثالثة) أن الأستاذ المؤلف لا بد أن يكون مطلعا على ما سبق إليه
فلاسفة اليونان والرومان وغيرهم من الشعوب القديمة الذين كانوا يقولون: إن لكل
شيء عام ذي نظام روحا هو المتصرف فيه وقد يسمونه ربا أو إلها، حتى الأمور
النفسية والاجتماعية، فيقولون: إله الحب، وإله الحرب، وإله البحر إلخ، وما
قالوا هذا القول إلا استنادا إلى شبهة فنية كشبهته، أو تحريفا لنص ديني مأثور عن
بعض الرسل الذين كانوا قبلهم بلغوا أقوامهم أن لله تعالى ملائكة سخرهم لإدارة
العالم، وقد علم أن الإسلام أبطل كل أنواع الوثنية القديمة والحديثة، وجدد عقائد
الأنبياء المرسلين الذين درست بعضهم أديانهم وحرف بعض، فلا ينبغي لمسلم أن
يشتبه عليه شيء منها.
(المسألة الرابعة) أن ما استدل به على شبهته من تأويل الآيات في محاجة
إبراهيم عليه السلام لقومه الذين كانوا يعبدون الكواكب من سورة الأنعام تأويل بعيد
عن أصول الإسلام وعقائده، وغير مجد في إثبات مذهبه المبتدع، وليراجع معناها
في تفسير المنار.
(المسألة الخامسة) أن قوله: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاطب
الناس على قدر عقولهم قد اشتهر على الألسنة أنه حديث مرفوع إلى النبي صلى الله
عليه وسلم لفظه (أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم) وهو لا يصح مرفوعا،
بل طرقه كلها ضعيفة، ولكن روى البخاري من كلام علي كرم الله وجهه أنه قال:
(حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟) وذكر مسلم في
مقدمة صحيحه أن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه قال: (ما أنت بمحدث قوما
حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) ، ومراد الصحابيين الجليلين رضي
الله عنهما مراعاة عقول الناس وأفهامهم في تعليمهم ووعظهم وهو ما اتفق عليه
علماء فن التربية والتعليم في مراعاة درجات طلاب العلم وأسنانهم، وليس معناه
هنا وهناك أن يعلموهم خلاف الحق أو أن يكتموا الحق عن كل أحد، ولا أنه يوجد
في كلام الله وكلام رسوله شيء غير صحيح.
ومن يريد أن يكتب في أصول الإسلام والجمع بينه وبين المسائل العلمية
والفنية فعليه قبل كل شيء أن يكون على بينة تامة من كل منهما وما يصح منهما
وما لا يصح، والأستاذ فريد أفندي وجدي يتدهور أحيانا في مباحثه لعدم وقوفه على
ما يصح وما لا يصح من الأحاديث أو من معانيها ومعاني الآيات كعده من أصول
الإسلام في مباحثه الأخيرة حديث (الدين هو العقل فمن لا عقل له لا دين له)
وحديث (الدين المعاملة) ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا ولا ذاك،
ولا يصح أيضا ما فسرهما به.
هذا ما أراه كافيا لبيان الحق في شبهة الأستاذ مؤلف كتاب (حيوية الأرض)
دفعني إليه ما آنسته في كلامه من الإخلاص والرغبة في تمحيص الحقيقة، فإذا رآه
كافيا فليحمد الله تعالى ويدعو لي بخير، وإن بقيت الشبهة متمكنة منه فالذي أراه أن
يقابلني لنتحدث فيها، فإن اللسان أقدر على البيان من القلم، والسلام. اه.
(المنار) لما نشرت هذه المقالة في الأهرام كتب الأستاذ محمد فريد أفندي
وجدي ردا عليها نشرته له الأهرام ننشره ونرد عليه لتمحيص الحقيقة، وما نحن