عند أهل السنة، وما أدري أعلمه بالروايات المعتمدة عند أهل السنة كعلمه بكون
المعتزلة منهم؟ أم هو يتعمد التدليس والإيهام؟ كل ذلك جائز، وهو ما تراه في
أول ص 41 وما بعدها جوابا عن سؤال أورده:
قال: (إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب
الشريعة الإسلامية - يعني أن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الإسلام جنبا إلى جنب
وسواء بسواء، ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والعناية حتى نمت وأزهرت في
حياته، ثم أثمرت بعد وفاته. وشاهدي على ذلك نفس أحاديثه الشريفة لا من طريق
الشيعة ورواة الإمامية حتى يقال: إنهم ساقطون؛ لأنهم يقولون بالرجعة أو أن
راويهم (يجر إلى قرصه) بل من نفس أحاديث علماء السنة وأعلامهم، ومن
طرقهم الوثيقة التي لا يظن ذو مسكة فيها الكذب والوضع. وأنا أذكر جملة ما علق
بذهني من المراجعات الغابرة، والتي عثرت عليها عفوا من غير قصد ولا عناية:
(فمنها ما رواه السيوطي في كتاب (الدر المنثور، في تفسير كتاب الله
بالمأثور) في تفسير قوله تعالى: ﴿أولئك هم خير البرية﴾ (البينة: 7) قال:
أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبي صلى الله عليه
وسلم فأقبل علي عليه السلام فقال: (والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون
يوم القيامة) ونزلت ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾ (البينة: 7)
وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال: لما نزلت {إن الذين آمنوا وعملوا
الصالحات} (البينة: 7) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: (أنت
وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين) (؟)
وأخرج ابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى
الله عليه وسلم (ألم تسمع قول الله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم
خير البرية} (البينة: 7) هم أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت
الأمم للحساب تدعون غرا محجلين) انتهى حديث السيوطي، وروى بعض هذه
الأحاديث ابن حجر في صواعقه عن الدارقطني وحدث أيضا عن أم سلمة أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (يا علي أنت وأصحابك في الجنة، أنت وشيعتك في
الجنة) .
(وفي نهاية ابن الأثير ما نصه في قمح: وفي حديث علي عليه السلام قال
له النبي صلى الله عليه وسلم: (ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيين
ويقدم عليه عدوك غضابا مقمحين، ثم جمع يده إلى عنقه يريهم كيف الإقماح)
انتهى وببالي أن هذا الحديث أيضا رواه ابن حجر في صواعقه وجماعة آخرون من
طرق أخرى تدل على شهرته عند أرباب الحديث.
(والزمخشري في (ربيع الأبرار) يروي عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (يا علي إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة الله تعالى وأخذت أنت
بحجزتي، وأخذ ولدك بحجزتك، وأخذ شيعة ولدك بحجزهم فترى أين يؤمر بنا) .
ولو أراد المتتبع كتب الحديث مثل مسند الإمام أحمد بن حنبل وخصائص
النسائي وأمثالهما أن يجمع أضعاف هذا القدر لكان سهلا عليه. وإذا كان نفس
صاحب الشريعة الإسلامية يكرر ذكر شيعة علي وينوه عنهم بأنهم هم الآمنون يوم
القيامة وهم الفائزون، والراضون والمرضيون، ولا شك أن كل معتقد بنبوته
يصدقه فيما يقول، وأنه لا ينقل عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فإذا لم يصر
كل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شيعة لعلي رضي الله عنه فبالطبع والضرورة
تلفت تلك الكلمات نظر جماعة منهم أن يكونوا ممن ينطبق عليه ذلك الوصف بحقيقة
معناه لا بضرب من التوسع والتأويل.
تعليقنا الوجيز على هذه الدعوى وأدلتها:
أقول: (أولا) إن هذه الأحاديث التي اعتمد عليها في بيان أصل الشيعة لا
تصح رواية لشيء منها ألبتة، ولذلك لم يخرج شيئا منها مصنفو الصحاح كالإمام
مالك والبخاري ومسلم ولا من بعدهما - ولا أحد من أصحاب كتب السنن كالأربعة
المشهورة، ولا مما قبلها من المسانيد كمسند الإمام أحمد ومسند إسحاق بن راهويه