تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يتصور أن ينقل صاحب المنار عن الأستاذ الإمام في حياته أنه قال في درسه في

الأزهر كذا، وأن بعض الناس اشتبهوا في هذا القول فرد عليهم بكذا، أو أن يقول:

إنني أنقل من خطه كذا، ويكون نقله هذا غير صحيح، مع العلم بأن المنقول عنه

كان يقرأ ذلك كما يقرؤه كثير ممن حضروا دروسه في الأزهر، بل مع العلم بما

كان من قوة الصلة والثقة بين صاحب المنار والأستاذ الإمام حتى إن أمير البلاد بذل

جهده في التفريق بينهما فلم يستطع إلى ذلك سبيلا مع أحد منهما. ولا يزال في

الأحياء من يعلم دخائل هذه المسألة كفضيلة الأستاذ الشيخ محمد شاكر الذي كلفه

الخديو أن يكلم الأستاذ الإمام بأن يترك صحبة صاحب المنار ليرضى عنه سموه

ويساعده على ما يشاء من إصلاح الأزهر، فقال رحمه الله للشيخ شاكر: وكيف

أترك صحبة السيد رشيد رضا وهو ترجمان أفكاري؟ وتفصيل هذه المسألة وأمثالها

في الجزء الأول من تاريخ الأستاذ الإمام - بيد أن الشيخ الدجوي يريد أن يقنع قراء

كلامه أن نقل صاحب المنار عن الشيخ محمد عبده قد يكون غير صحيح ليحصر

طعنه فيه ويسلم من سخط الجمهور. ولكن القراء قد علموا أن نقل الدجوي عن

المنار غير صحيح، بل كذب صريح، وكذا نقله عن البخاري. فكيف يعبئون

بتشكيكه فيما ينقله عن أستاذه حتى في حياته؟ ثم ماذا يقولون في مسألة السحر

وهي مدونة في تفسيره رحمه الله لجزء عم الذي طبعته الجمعية الخيرية في أيام

حياته بعد وفاته؟

قد علم القراء أنني ذكرت هذه المسألة وغيرها في مقالة المنار المشار إليها من

باب التمثل لما أنكره العلماء الباحثون من الروايات حتى التي صححها الشيخان أو

أحدهما لا من باب ما أنكره أنا من ذلك. وإنني أذكر لهم هنا نص ما كتبه الأستاذ

في المسألة من تفسيره لسورة الفلق من ذلك الجزء لا من المنار ولا من تفسيره:

عبارة الأستاذ الإمام في مسألة السحر:

(وقد رووا ههنا أحاديث في أن النبي صلى الله عليه وسلم سحره لبيد

بن الأعصم وأثر سحره فيه حتى كان يخيل له أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله، أو

يأتي شيئا وهو لا يأتيه، وأن الله أنبأه بذلك وأخرجت مواد السحر من بئر وعوفي

صلى الله عليه وسلم مما كان نزل به من ذلك ونزلت هذه السورة) .

(ولا يخفى أن تأثير السحر في نفسه عليه السلام حتى يصل به الأمر إلى

أن يظن أنه فعل شيئا وهو لا يفعله، ليس من قبيل تأثير الأمراض في الأبدان،

ولا من قبيل عروض السهو والنسيان في بعض الأمور العادية، بل هو ماس بالعقل،

آخذ بالروح، وهو مما يصدق قول المشركين فيه: {إن تتبعون إلا رجلا

مسحورا} (الإسراء: 47) وليس المسحور عندهم إلا من خولط في عقله،

وخيل له أن شيئا يقع وهو لا يقع، فيخيل إليه أنه يوحى إليه ولا يوحى إليه. وقد

قال كثير من المقلدين الذين لا يعقلون ما هي النبوة ولا ما يجب لها: إن الخبر بتأثير

السحر في النفس الشريفة قد صح، فيلزم الاعتقاد به، وعدم التصديق به من بدع

المبتدعين؛ لأنه ضرب من إنكار السحر، وقد جاء القرآن بصحة السحر. فانظر

كيف ينقلب الدين الصحيح والحق الصريح في نظر المقلد بدعة؟ نعوذ بالله، يحتج

بالقرآن على ثبوت السحر ويعرض عن القرآن في نفيه السحر عنه صلى الله عليه

وسلم وعده من افتراء المشركين عليه، ويؤول في هذه ولا يؤول في تلك! ! مع

أن الذي قصده المشركون ظاهر؛ لأنهم كانوا يقولون: إن الشيطان يلابسه عليه

السلام، وملابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم وضرب من ضروبه، وهو بعينه

أثر السحر الذي نسب إلى لبيد، فإنه قد خالط عقله وإدراكه في زعمهم.

والذي يجب اعتقاده أن القرآن مقطوع به، وأنه كتاب الله بالتواتر عن

المعصوم صلى الله عليه وسلم فهو الذي يجب الاعتقاد بما يثبته وعدم الاعتقاد بما

ينفيه، وقد جاء بنفي السحر عنه عليه السلام حيث نسب القول بإثبات حصول

السحر له إلى المشركين أعدائه، ووبخهم على زعمهم هذا، فإذن هو ليس بمسحور

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٤