تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حكامهم بتأليف كتب في الرد على هؤلاء المجددين، الذين عرف علماء الإفرنج

ومؤرخوهم من حقيقة أمرهم ما لم يعلمه أكثر علماء المسلمين.

وأقول الآن: إن الشيخ أحمد زيني دحلان الذي كان مفتي مكة المكرمة وكبير

علمائها قد ألف في أواخر القرن الثالث عشر كتابا أو رسالة في الطعن على هؤلاء

الوهابية رآه الحكام أجمع ما كتب في الافتراء عليهم وعلى شيخهم، وفي الاحتجاج

على بدع القبوريين المنكرين عليهم فنشروه في الأقطار، ووافق أهواء مبتدعة

الزمان، فأخذوا أقواله ونقوله بالقبول والتسليم حتى الآن، فكل ما رآه المطلعون

على مجلة مشيخة الأزهر (نور الإسلام) من الطعن فيها على الوهابية وانتزاع

الشبهات لعابدي القبور على شرعية عبادتها هو بعض من كتاب دحلان هذا.

وقد كتب في الرد على دحلان غير واحد من العلماء فكان أقواهم حجة،

وأتمهم استقصاء، عالم من أعظم علماء الهند أدرك الشيخ دحلان ولقيه وناظره في

مكة المكرمة في فجر هذا القرن (وقد توفي الشيخ دحلان سنة 1304منه) ولما

عاد إلى الهند رد على كتابه في سفر كبير سماه (صيانة الإنسان، عن وسوسة

الشيخ دحلان) لم يدع له صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وحكم الدلائل الصحيحة

فيها.

هذا العالم الكبير هو الشيخ محمد بشير السهسواني المفسر المحدث الأصولي

الفقيه النظار الذي اعترف له منصفو علماء عصره بأنه بلغ رتبة الاجتهاد، ومن

مناقبه أنه ناظر مسيح الهند القادياني الدجال فألقمه الحجر، حتى فر من إتمام

المناظرة واعتذر، وقد طبع هذا الكتاب بالهند في عصر مؤلفه وعزي إلى أحد

تلاميذه كما يفعل بعض العلماء مثل هذا لحكمة تقتضيه، وقد توفي الشيخ بشير في

سنة 1326 فرثاه بعض العلماء بمرثية جاء فيها أن تاريخه عدد كلمة (مغفور)

بالجمل.

ثم أعيد طبع هذا الكتاب في هذه الأيام على نفقة جماعة من الحجازيين

والنجديين في مطبعة المنار طبعا جميلا متقنا وصدر بترجمة للمؤلف منقولة من

كتاب (الياقوت والمرجان، في ذكر علماء سهسوان) مترجمة بالعربية عن اللغة

الأوردية بقلم أحد علماء الهند، يليها مقال طويل لنا في التعريف بالكتاب وبيان

مزاياه، وقد بلغت صفحات الأصل وحده 576 صفحة.

ومن أهم مباحثه الحافلة الوافية التي زدناها بيانا في المقدمة، تحقيق المراد

من كلمتي (السنة والجماعة) ومعناهما في الأحاديث النبوية وآثار السلف الواردة

في الحث على اتباعهما والترهيب من مفارقتهما، وكذا كلمة (السواد الأعظم) ،

والفرق بين المراد من هذه الكلمات في عصر السلف وفي هذا العصر، وتضليل

أدعياء العلم المعاصرين ومن على مقربة منهم بإيهامهم الناس في كل قطر أن أكثر

الذين يسمون المسلمين في كل عصر يصح فيه أن يطلق عليهم اسم جماعة

المسلمين، وأن حكمهم حكم الذين كان يطلق عليهم ذلك في عصر الصحابة

والتابعين، الذين كان إجماعهم حجة في الدين حتى عند من ينكر حجية الإجماع

الأصولي أو وجوده من غير الصحابة كالإمام أحمد، ويجزم بأن أكثرهم كانوا على

الحق والهدى، وأن رأي مخالف الأكثر من أفراد علمائهم محل اجتهاد ونظر، وهذا

الإضلال الذي ينشره بعض محرري مجلة مشيخة الأزهر كالشيخ يوسف الدجوي لا

يصح إلا قاعدة للذين يقولون: إن دين كل قوم ما هم عليه، أو ما عليه الأكثرون

منهم، وإن كان مخالفا لنصوص كتابهم، وما كان عليه نبيهم وأصحابه، فهذا

الكتاب يقيم لك الحجج على أن مخالفي الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح إلى

اتباع البدع أو المعاصي لا يصح أن يسموا جماعة المسلمين الذين وردت الأحاديث

والآثار باتباعهم، خلافا لمجلة مشيخة الأزهر فإنها تدعي أنهم هم الجماعة في

عصرنا، وأن المنكر عليهم وهابي منكر على المسلمين خارج على جماعتهم، وأن

احتجاجه على ذلك بآيات القرآن في أصول التوحيد، وبالأحاديث الصحيحة المتفق

عليها في لعن الذين يتخذون قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد، والذين يضعون عليها

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٣٥