تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومعلوم عند أهل النقل أنه ورد في نسخ التلاوة عدة روايات حتى قيل: إن

سورة الأحزاب كانت تعادل سورة البقرة أو أطول، ومنها هذه الآية، وزعم غلاة

الروافض أن مما حذفه الصحابة رضي الله عنهم منها وادعوا أنه نسخت تلاوته

آيات كثيرة في ولاية علي أمير المؤمنين عليه السلام إلخ؛ بل أقول: إن حديث

عمر الذي رواه البخاري في مسألة رجم الزاني المحصن قد ذكر فيه شيء آخر مما

نسخت تلاوته ولكن لم يذكر فيه الشيخ والشيخة إلخ.

فأنا لم أزد في التمثيل لنسخ التلاوة الذي كان أهم موضوع المناظرة المذكورة

بأكثر من كلمة (كالروايات في نسخ التلاوة) ولم أقل روايات البخاري ولا

الصحيحين ولا غيرهما. وهذه الروايات من أعظم الشبهات حتى الرواية التي

خصها محرر مجلة مشيخة الأزهر بالذكر، وزعم أنها في البخاري وليست فيه،

والشبهات فيها متعددة بعضها في سندها، وبعضها في موضوعها، فمنها اختلاف

ألفاظها، ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن الأذن لعمر بكتابتها، ومنها

أن عمر أنكر على أبي بن كعب إرادة كتابتها بإذن النبي صلى الله عليه وسلم -

ومنها أن عمر يخاف قول الناس في إظهار شيء يعتقده، ولا سيما كلام الله تعالى؟

وبعضها في حكمها وهو رجم الشيخ والشيخة إذا زنيا مطلقا، وإنما الرجم على

المحصن شيخا أو شابا. فهذا الإطلاق يخالف ما عليه العمل بالإجماع، وفي حديث

عمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الزاني غير المحصن

الذي زنى بالمحصنة: إنه يحكم بينهما بكتاب الله تعالى، ثم حكم عليه بجلد مائة

وتغريب عام وعليها بالرجم، والتغريب ليس في كتاب الله عز وجل، فكل هذا من

مشكلات الرواية، وتأول بعضهم الإشكال الأخير بأن المراد به حكمه تعالى فيما

أوحاه إلى نبيه غير القرآن، وروي عن ابن عباس أن آية الرجم في القرآن لا

يغوص عليها إلا غواص. وإنني أذكر أهم ما قاله الحفاظ في زيادة (الشيخ

والشيخة) في حديث عمر.

إن البخاري لما روى حديث عمر في الرجم من طريق سفيان بن عيينة عن

الزهري ذكر أن سفيان قال: (كذا حفظت) وذكر الحافظ ابن حجر في شرح هذه

الكلمة: أن الإسماعيلي أخرج هذا الحديث من رواية جعفر الفريابي عن علي بن

عبد الله شيخ البخاري، وزاد فيه أن عمر قال عند ذكر آية الرجم: (وقد قرأناها:

(الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة) وقد رجم رسول الله صلى الله عليه

وسلم ورجمنا بعده. فسقط من وراية البخاري هذه الزيادة.

(ثم قال الحافظ ما نصه) : ولعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمدا فقد

أخرجه النسائي عن محمد بن منصور عن سفيان كرواية جعفر ثم قال: لا أعلم

أحدا ذكر في هذا الحديث (الشيخ والشيخة) غير سفيان وينبغي أن يكون وهم في

ذلك. (قلت) : وقد أخرج الأئمة هذه الحديث من رواية مالك ويونس ومعمر

وصالح بن كيسان وعقيل وغيرهم من الحفاظ عن الزهري فلم يذكروها اه.

المراد من كلام الحافظ.

وأقول: إن قول البخاري: (قال سفيان كذا حفظت) يدل على أن رواية

جعفر الفريابي عنه هذه الزيادة (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها ألبتة) غير

صحيحة؛ إذ لو كان سمعها من الزهري لما قال: كذا حفظت - ولهذا قال الحافظ

لعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمدا. وأما النسائي فإنه لما ذكر رواية جعفر

الفريابي عن سفيان أنكر هذه الزيادة التي انفرد بها قال: وينبغي أن يكون وهم في

ذلك - فالبخاري ينفيها عن سفيان، والنسائي يخطئه بها، وسفيان من أئمة رواة

الحديث والفقه فيه، ولكنه تغير في آخر عمره، وكان يدلس أيضا.

وإنني لأعجب أن أرى محرر مجلة المشيخة من هيئة كبار علماء الأزهر

يتصدى للطعن علينا برد شيء من أحاديث البخاري من غير أن يكلف نفسه مراجعة

البخاري فيما يعزوه إليه منها، على علمه بضعف إلمامه بالسنة وقلة اطلاعه على

ما في الصحيحين منها فضلا عما دونهما، فيا ليت شعري ألا يشعر بضعفه؟ أم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١١