تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المغرورين دون الاعتراض على النصوص، أو تزيل شبهاتهم فلا يصعب عليهم بين

علمهم وبين الدين، ولا يكون أحدهم متدينا مؤولا، خير من أن يكون زنديقا أو

معطلا.

أما بيان ضعف ما ذكر لغة فلأن الألفاظ التي صارت حقيقة شرعية أو عرفية

لا يجوز أن يدخل في مفهومها كل ما يناسب الأصل الذي اشتقت منه، وأما ضعفه

شرعا فهو أظهر، والملائكة من عالم الغيب الذي يجب على كل مؤمن الايمان به

كما ورد في خبر الوحي من غير تأويل ولا تحريف، ويكفي في ذلك كونه ممكنا

عقلا، والايمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان والأول هو الإيمان

بالله تعالى فهل يدخل في مفهومه هذه الميكروبات التي يصفها هؤلاء الكتاب بالدنيئة

الحقيرة؟ كلا، وأما إدخالها في مفهوم كلمة الجن فليس ببعيد لغة ولا ممنوع شرعا

فقد ورد أن الجن أنواع ومنه ما هو خشاش الأرض، ولا مانع في العقل ولا العلم

من كون بعض عوالم الغيب من الملائكة موكلا ببعض شؤون الكون وسببا له،

وتفصيل هذا البحث لا تتسع له هذه الحاشية. اه.

***

شبهة لفظية يظنها الجاهل علمية

نشرنا في صفحة 255 من مجلد المنار الخامس سنة 1320 تحت عنوان

الملائكة والنواميس الطبيعية ما نصه:

سأل سائل: إذا كانت الملائكة هي عبارة عن القوى المعنوية، والنواميس

التي بها نظام العوالم الحية، فما معنى ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفا﴾ (النبأ:

38) وأمثاله؟ والجواب: أن الذي تقدم في التفسير هو أن الملائكة عالم مستقل

مستتر عنا، وإنما كان ذكر القوى والنواميس الطبيعية جذبا لمنكري الملائكة إلى

التصديق لأن بعض ما ورد يوافق ما يعتقدون فكيف يكفرون لاختلاف الألفاظ؟ لا

أن الكلام كان إرجاعا لنصوص الدين إلى أقوالهم. اه.

وأقول الآن: إن هذه الشبهة التي عرضت لبعض الناس منذ 31 سنة وكشفنا له

خطأه فيها فعقله ورضيه هي التي يقولها الشيخ يوسف الدجوي حتى اليوم يقول:

إن التأويل الذي ذكر في تفسير المنار هو صريح في إرجاع نصوص الدين إلى

أقوال علماء الطبيعة، لا إرجاعهم هم إلى نصوص الدين، فهل يقول هذا بعد كل

ما تقدم رجل يعقل أو يفهم ما يسمع وما يقرأ له؟

بلغني أنه بنى على هذه الجملة في هذه الشبهة مقالا طويلا استدل فيه بها على

تأييد بهيتته الأولى بالرغم من كل ما تقدم، وهي إننا نعتقد أن جميع الملائكة قوى

طبعية وأننا نريد بذلك رد نصوص الدين إلى عقائد الطبعيين، وأراد نشرها في

مجلة المشيخة فمنع شيخ الأزهر المجلة من نشرها لما فيها من تسجيل فضيحة

المجلة وفضيحة الدجوي. وقد تعلق الدجوي من هذه الجملة بالإبهام والإجمال بكلمة

(لأن بعض ما ورد يوافق ما يعتقدون) أي ما يعتقد المنكرون لوجود الملائكة فأراد

أن يهدم بها جميع تلك النصوص الصريحة المفصلة المبينة التي كتب أكثرها

بعدها! ! لأن مبلغ الدجوي وأمثاله من العلم محصور في التشكيك والمناقشات في

العبارات الجزئية، دون تحقيق أصل الموضوع في المسائل العلمية كما تقدم.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) هذا التعليل كتبه شيخنا بقلمه بعد نشر هذا التفسير في المنار وقبل طبعه على حدته.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

المقال السابع

البهيتة الثانية: إنكار الجن

هذه أخت التي قبلها، والكلام فيها متمم لما قبله ومشترك معه في بعض

شواهده كما تقدم في خاتمة المقالة السابقة، ولهذا قدمناها على مسألة الشمس.

قال في مجلة الأزهر بعد مسألة الملائكة (ومثل ذلك ما قرره في المكروبات

عند ذكر الجن في القرآن، وليت شعري هل هذه المكروبات الجنية هي التي كانت

تعمل لسليمان ما يشاء من محاريب وتماثيل وقدور راسيات؟ وهل هي التي قال

عفريت منها لسليمان عليه السلام] أنا آتيك به [بعرش بلقيس {قبل أن تقوم من

مقامك وإني عليه لقوي أمين} (النمل: 39) ؟ وهل هي التي قالت لقومها: {إنا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٣٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٣٣٧