ووجهت همتها إلى المعاني العميقة للآية التي نحن بصدد التدقيق في معناها: كم
كان للمسيح من طبيعة وإرادة؟ هل كانت أمه مريم إذ كان في رحمها بريئة من
الذنب المغروس أم لا؟ عندما يتحول الخبز والخمر إلى لحم المسيح ودمه في
القربان المقدس هل يفقدان جوهرهما أم أعراضهما فقط؟ إذا كان عقد النكاح
كارتباط المسيح بعروسه الكنيسة أبديا، فيكون افتراق الزوجين وانفصال أحدهما
عن الآخر محالا حتى الموت أم لا؟ هل ينبثق الروح القدس من الآب وحده، أم
من الآب والابن معا؟ واأسفا على الكنيسة التي تشتغل بمثل هذه المسائل.
إذن فالملائكة أرادت أن تقول: (سيؤسس دين الإسلام على الأرض) .
أقول إلى رهبان البروتستانت وواعظيهم الذين يدعون أن المسيح جاء بالسلام:
إن مدعاكم غلط محض، وإن المسيح قد قال صريحا وتكرارا إنه لم يأت بالسلام بل
بالسيف والنار والاختلاف والتفريق بين الناس، فلا مناسبة للسلام بالمسيح ولا
بالمسيحية، ودونكم هذه النصوص.
(لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما (إيريني) على الأرض ما جئت لألقي
سلاما بل سيفا) (متى 10: 34) وفي موعظة أخرى للمسيح: (جئت لألقي
نارا على الأرض، أتظنون أني جئت لأعطي سلاما على الأرض، كلا أقول لكم:
بل انقساما) (لوقا 12: 49 - 53) .
إن تدقيقاتنا ومطالعاتنا العميقة في هذا الموضوع مندرجة في الفصل العاشر
ولكن اضطررت ههنا عند تحقيق معنى الإنجيل إلى تدقيق في المعاني المهمة التي
تتضمنها الآية المذكورة لا غير؛ فإن الملائكة في هذه الآية تخبر وتعلن صريحا
بأنه سيظهر دين باسم (الإسلام) و (السلم) .
فإذا كانت هذه الفكرة التي بيناها باطلة، فالآية المذكورة ليست إلا نغمة لا
معنى لها (حاشا) فما دامت النصرانية تعتقد أن الآية المذكورة وحي وإلهام من
قبل الملائكة حقيقة، فيجب علينا أن نقبلها مثلهم، ونضطر إلى الاعتقاد بأنها أهم
وأعظم شأنا من أية آية في الكتب السماوية؛ لأن هذا الإلهام ليس من قبل نبي أو
رسول أو ملك واحد، بل هو إلهام من قبل جمهور من الجنود السماوية يهللون
ويترنمون بالذات، فنحن على هذا مضطرون إلى قبول أن محتوياتها أيضا عبارة
عن تظاهرات كبيرة وتجليات مهمة جدا تتعلق بمنافع البشر وبنجاتهم في المستقبل.
ولنبين أن أنبياء الله قد استعملوا من قبل في أسفار التوراة (العهد العتيق) هذا
المعنى اللغوي لكلمة (إسلام) بمادة هذا المصدر نفسه ومشتقاته وهي (سلم، تسليم،
إسلام) العربية، و (شلم، شلوم) العبرانية، و (شلم) السريانية على الوجه
الآتي:
(أشعيا 44: 26 و28) : إتمام، إكمال، إكمال النقص، الذهاب به إلى
مكانه.
(أشعيا 38: 12) : الإنهاء، الإيصال إلى المنتهى.
(أمثال سليمان 16: 7) : المصالحة، الصلح مع.
(يشوع 10: 1 - 4) : عقد الصلح والمصالحة، التسليم والضبط.
فالإسلام عبارة عن الدين المتمم والمكمل للأديان السابقة والحاكم في الاختلافات
الكائنة بين اليهودية والمسيحية والمصلح بينهما، ومدخلهما في ضمن دينه المكمل
المتمم ليكون الجميع سوية مسلمين لله، مسلمين ومؤمنين.
أليس لهذه الآية رابطة بصورة بليغة بآية القرآن المجيد التي نزلت على
حضرة خاتم الأنبياء في حجة الوداع؟ وبلغها لأكبر مجتمع في عصره {اليوم
أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} (المائدة: 3) .
(للنموذج بقية)
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) في الترجمة العربية: وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة، والمؤلف يعلم هذا ونقله فيما يأتي ولكنه يقول هنا: إن الأصل الصحيح هو ما قاله ثم شرحه في التفصيل الآتي اه مصححه.
(2) (لوقا 1:1 -4) .
(3) نيقية هي بلدة أزنيق من توابع خداوندكار.
(4) سام أحد أولاد نوح عليه السلام وهو جد الأقوام السامية.
(5) أحرار الفكر - هم الذين ينتقدون كل الأديان والفرنسيون يسمون هؤلاء (ليبر بانسور) .