الضرورية من غرائز البشر تحدث لهم ضروب الاختلاف والتنازع، وتحملهم على
الشقاق والجدال والجلاد.
فمن المحال أن يعيش الناس على وجه الأرض بالصلح والمسالمة ولا يتمكن
أي دين كان أن يضمن دوام السلم العام بين الأمم والأقوام حتى لو تعلقت إرادة الله
عز وجل بذلك لاقتضى أن يبدل سننه الاجتماعية في طباع البشر ونظام معايشهم
ويغير النواميس الطبيعية فيهم ويستبدل بها غيرها.
إن الحكومات المستريحة الآمنة المسالمة إذا لم تكن على حذر دائم من عدوها
تكون مقضيا عليها بالتدلي والسقوط، ولا تزال تتقهقر حتى تصير إلى البداوة
والانحطاط أو الاضمحلال، وإذا كانت الأمم لا تخشى اعتداء على حياتها أو
عرضها أو مالها، والحكومات الحاضرة لا تحسب للدماء ولا للنار حسابا، فلماذا
نراها منهمكة في المسابقة إلى الاختراعات الحربية المرعبة التي نشاهدها؟ خرقوا
جبال الألب من أسفلها وهي التي تمردت على ذكاء (بونابرت) و (أنيبال)
وهمتهما، وعبدوا الطريق فيها حتى صارت تمر منها القطارات بالكهرباء، ويساق
فيها الجيوش.
ليقم كبار العرب - الذين سافروا من حضرموت إلى الصين وجاوا - من
أجداثهم ولينظروا إلى تلك البحار التي مخروا فيها والأمواج التي تسنموا غواربها
ماذا يريدون؟ أما البحار فهي هي بعينها، ولكن أي سفن أنشئت، وأي الآلات
اخترعت لطي تلك المسافات بالسرعة العجيبة؟ وإلى الرياح العاتية والعواصف
القاصفة في جو السماء؟ هي وإن كانت باقية على حالها منذ القدم، ولكن ليبصروا
كيف أن الفن أنفذ فيها التلغراف اللاسلكي وسخرها كخادم له، ثم لينظروا هذه
المناطيد والطيارات، والمدرعات والغواصات والدبابات، من مخترعات العقل
والفن، ما أوجدتها إلا الضراوة بالحرب، وعدم الثقة بمعاهدات الصلح، والأمان
من الحرب، وإذا يكون (السلام) الذي هتفت به الملائكة ليس عبارة عن
الاستراحة والمسالمة الدنيوية، أو أن يدخل جميع الناس الكنيسة فيصبحون آمنين
مرتاحين تحت إدارة الأساقفة والرهبان خدام الأسرار السبعة، بل إن كان في الدنيا
شيء قد اكتسب أكبر شهرة في اقتراف المظالم وإيقاد نيران العداوة فلا شك أنها
الكنيسة، أقول: لا شك؛ لأن تلك حقيقة تاريخية ثابتة بالفعل، ويقول المسيح نفسه:
(ما جئت لألقي سلاما على الأرض) وأما الذين يصدقون بأنه سيتأسس صلح
عام، فأولئك هم عبيد الوهم والخيال.
الإسلام
الإسلام دين أساس إدارته وحكمه العدل المطلق الذي لا هوادة فيه؛ لأن
الجرائم والجنايات تعاقب عليها يد العدالة؛ ولكن الأشرار والمنافقين من المسلمين
لا يزالون يسعون في الأرض فسادا، ولم يخل زمن الخلفاء الراشدين - مثال العدل
المطلق الكامل - من مثل هذه الاختلافات والشقاق من الحروب.
إذن فماذا كانت تقصد الملائكة؟ هل قصدت (سلام عليكم) (شلم لحن) كما
يريد أن يحيي بعضنا بعضا، ويؤدي له رسوم المجاملة؟ الناس يمكنهم أن
يستعملوا ما يشاءون من الكلمات الرقيقة لأجل المجاملة؛ ولكن لا حكمة ولا حاجة
أبدا إلى ذلك في التبشير السماوي، ولا سيما إذا كان من قبل جيش من الملائكة
يترنمون في جو الأفلاك.
(إيريني) أي (الإسلام) هو الدين المبين، وحبل الله المتين، المكمل
للإنسان جميع وسائل ترقيه المادية والمعنوية، والكافل له سعادة الحياة والعيش
الرغيد إلى الأبد.
مهما أكن حريصا على التزام الاعتدال، وعلى سوق القلم فيما لا يجرح
عواطف المسيحيين، فلا بد أن أكون معذورا إذا ما تجاوزت أحيانا هذه الخطة.
رحماك ربي، ما أكثر ما ينحي به أحرار الفكر [5] والموحدون في أوروبا
وأمريكا على النصرانية من التحقير الشفهي، والاعتداء التحريري، ومن المعلوم
بالضرورة أن مثل تلك المطاعن لا تقع في بلاد المسلمين كتركيا.
ما كان أجدر الكنائس بخدمة الإنسانية لو صرفت عنايتها في مجامعها الكبرى
من مجمع نيقية إلى آخر مجمع للفاتيكان [6] عن فحص الأسرار والأشياء السحرية،