تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مثلي لا يرد على مثله؛ لأنني لا أستطيع أن أناظره بمثل هجوه الذي أتنزه عن

وصفه، لئلا يقال إنني شاركته في شيء منه ولو بتسميته باسمه؛ ولأنه يفتري

التهم، ويحرف الكلم، ويقول ما لا يعلم وما يعلم خلافه، وذلك لا يمكن أن يكون

خدمة للعلم ولا لبيان الحق، وسيرى القراء الشواهد على هذا فيما ننشره من الرد،

ولو أنني أعرف كلمة في اللغة أخف من الافتراء والتحريف تؤدي معناهما لما

كتبتهما، وأحمد الله أن رضيت المشيخة بجعل الرد على مجلتها لا عليه؛ لأنه

يغنيني عن عزو كلامه إليه.

وإنني أنقل للأمة في جرائدها ما كتبته بشأن عدوانه الأول في فاتحة المجلد

العشرين من المنار الذي صدر في شوال سنة 1335 بعد بيان مذهب المنار في

الإصلاح وهذا نصه:

كلمة المنار في المجلد العشرين سنة 1335

تلك دعوة المنار، التي رددت صداها الأقطار، فكانت كالبرق المبشر بما

يتلوه من المطر، في نظر سليمي العقول صحيحي الفطر، وكالصواعق المحرقة

على أهل البدع، ومتعصبي الأحزاب والشيع، وقد آذانا لأجلها الظالمون فصبرنا

لله بالله، ولم نكن كمن أوذي في الله فجعل فتنة الناس كعذاب الله، وجهل علينا

بعض أحداث السياسة المغرورين، وبعض أدعياء العلم الجامدين فقلنا: {سلام

عليكم لا نبتغي الجاهلين} (القصص: 55) وكاد لنا أعداء الدعوة كيدا خفيا،

أضر بنا ضررا جليا، إذ حجب المنار عن كثير من قرائه الأخيار، وحرمنا بذلك

وبغيره كثيرا من المال، وحسبنا أن حمد الدعوة كل من عرفها من طلاب الإصلاح،

وأهل الروية والاستقلال.

وأما الأزهريون خاصة، فقد كانوا أزواجا ثلاثة، فقليل من الشيوخ وكثير من

الشبان يرون أن المنار من ضروريات الإسلام في هذا الزمان، وكثير من الشيوخ

والشبان يكرهون منه حمد الاستقلال وذم التقليد، ورمي جماهير علماء العصر

بالجمود والتقصير، والسواد الأعظم منهم مشغولون بأمور معيشتهم، وبمطالعة

دروسهم ومناقشات طلبتهم، عن النظر في مثل المنار لتقريظ أو انتقاد، وعن كل

ما يتجدد في الدنيا من إصلاح وإفساد.

وقد دخل المنار في السنة العشرين، ولم ينتقده أحد من الأزهريين، إلا أنه قام

في هذا العام شاب متخرج في الأزهر فنشر في بعض الجرائد الساقطة مقالات سب

فيها صاحب المنار وكفره، بانيا ذلك على زعمه أنه أنكر كون آدم أبا لجميع البشر،

على أن المنار قد صرح بإثبات هذه الأبوة تصريحات آخرها ما في الجزء الأول

من المجلد التاسع عشر، وزعمه أنه فضل شبلي شميل على الخلفاء الراشدين،

ويعلم كذب هذا الزعم مما نشرناه في شميل من ترجمة وتأبين، ومن لا يزعه هدي

القرآن عن السب والكذب والبهتان، قد يزعه عقاب السلطان، لهذا رفع أحد كبار

المحامين عنا أمر هذا الطعن إلى محكمة الجنايات، بعد أن أنذرنا بذلك كاتب

المقالات، ونصحنا له بلسان بعض ذوي رحمه وصحبه بأن يستحلنا تائبا من ذنبه،

فلم يزده ذلك إلا إصرارا على الذنب وتماديا في الطعن والسب؛ ولكنه جنح في

المحكمة للسلم، وطلب هو وصاحب الجريدة من رئيسها الصلح، على أن يعتذرا

عما اتهما به من المطاعن الشخصية، ويعترفا باحترام عقيدة صاحب المنار وآرائه

الدينية، وأمضيا عبارة في ذلك أثبتت في محضر القضية، وقد قبلنا ذلك منهما،

وكان خيرا لهما لو فعلاه من تلقاء أنفسهما، على أنهما عادا إلى هذيانهما، ولا قيمة

عندي لمثل هذا الكلام؛ فإنه مما يقال لصاحبه سلام؛ وإنما ذكرناه في فاتحة المنار

التي نشير فيها عادة إلى ما تجدد في تاريخ الإصلاح تمهيدا لذكر ما قيل إنه ترتب

على تلك القضية، من تأليف جمعية أزهرية لأجل البحث عن أغلاط المنار الدينية

والعلمية وبيانها للناس وللحكومة المصرية، ذكرت ذلك الجريدة التي وقفت نفسها

على الطعن في صاحب المنار، متوهمة أنه سيترتب عليه إبطال المجلة أو إخراج

صاحبها من هذه الديار؛ لأن عند أعضاء هذه الجمعية من حقائق العلوم الأزهرية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٣٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٣٠٨