تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نموذج من رسالته التي أشرت إليها في الهجو والتكفير، فامتقع وقبع، وثنى صدره

ليستخفي منه، وشخصت إليه أبصار القوم حتى تمنى السيد عاصم لو كان بصيرا

فيراهم؛ ولكنه قال: إنني اعترضت عليه قبل هذا فقلت عند دخول مجلة نور

الإسلام في سنتها الثانية إنها كانت جديرة بالتهنئة لولا ما ينشر فيها للشيخ الدجوي.

فقلت له: وهل تعد هذا كله عملا بقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن

عفا وأصلح فأجره على الله} (الشورى: 40) .

ثم قال الأستاذ المفتي: حسبنا ما ذكر عن الماضي، ويجب أن ننظر الآن في

أمر الحاضر والمستقبل، ونعقد الصلح على عدم إثارة شيء مما تقدم، قال الدجوي:

لا بد أن يكف الشيخ رشيد أذنابه عما يكتبون في الجرائد انتصارا له، فقلت أنا:

إنه ليس لي أذناب ولا أتباع، وهؤلاء الذين يردون على الأستاذ الدجوي وعلى

مجلة الأزهر في الجرائد ليسوا من أتباعي ولا من تلاميذي؛ وإنما هم من علماء

الأزهر، والمعروف منهم من أصدقائي وإخواني مستقلون في آرائهم وعلمهم، وأنا

من أشد الناس احتراما لاستقلال الرأي وحرية العلم والمناظرة لأهلهما حتى تلاميذي

منهم.

ووافقني بعض الأشياخ الحاضرين على قولي، وقال أحدهم إن هؤلاء الذين

يكتبون في جريدتي السياسة والجهاد في الرد على مجلة المشيخة هم من علماء

الأزهر الذين فصلتهم المشيخة منه في العام الماضي، والسيد رشيد غير مسئول

عنهم لأن لهم مرمى آخر ووجهة أخرى، وما أظن أنهم يرجعون عن الكتابة مهما

يكن من أمر الصلح والنهي، فلا يصح أن نجعل كفهم شرطا للصلح، وهذا لا يمنع

أن يرجوهم فضيلة السيد رشيد وغيره أن يخففوا من حدة أقلامهم ويقصروا كلامهم

على المناقشة العلمية الهادئة.

ثم دار البحث في الطريقة التي يمحى بها ما كان لما كتبه الأستاذ الدجوي في

مجلة نور الإسلام من أثر، فاتفق الجميع على أن يجاب السيد رشيد إلى ما طلبه

من الرد على المسائل التي اتهم بها كتابة علمية لا يعرض فيها لفضيلة الشيخ

الدجوي ولا لغيره بما يسوء من طعن شخصي، بأن يذكر التهم واحدة واحدة ويرد

عليها بما عنده من الأدلة والشواهد من مجلته وتفسيره، ويرسلها إلى رئيس تحرير

المجلة فينشرها فيها، ولأصحاب الفضيلة المفتي ونائب المحكمة الشرعية العليا

ومفتي الأوقاف الحاضرين الحكم الفاصل في موافقة ما يكتبه السيد لهذا الشرط أو

عدم موافقته، فرضي الفريقان بهذا.

وسأل الأستاذ الشيخ فتح الله سليمان: من المسئول بالتزام النشر في مجلة نور

الإسلام؟ فقال الأستاذ: رئيس التحرير الشيخ محمد الخضر والأستاذ الشيخ طه

حبيب المحرر فيها بموافقة الشيخ الدجوي إننا ننشر.

ثم ذكر الأستاذ المفتي ما كان سبق اقتراحه في مقدمات الصلح من كتابة الأستاذ

الدجوي في المجلة ثناء على الأستاذ صاحب المنار لأجل تحديده، فأبى الدجوي

البحث في تحديد ذلك، وقال إنه هو سيكتب ما يرجى أن يمحو أثر المقالتين وينشره.

واتفق الجميع على أنه يحسن في اتقاء تجدد النزاع أن يتشاور الفريقان فيما

يعرض للكتابة من المسائل الخلافية ويتفقا على الطريقة التي يكتبان فيها، كما

يحسن أن يتزاور الشيخ الدجوي والسيد رشيد لتأكيد المودة وتوطيدها، وتمنوا لو

يكون هذا الاتفاق تمهيدا لعقد مؤتمر علمي لتمحيص المسائل وحل عقد المشاكل بين

العلماء وإصلاح حال المسلمين.

ثم نهضوا إلى صلاة العصر مسرورين مغتبطين شاكرين لفضيلة صاحب

الدار ومفتي الديار سعيه، وقدم هو السيد رشيدا للصلاة بهم إماما، فسروا باقتداء

الشيخ الدجوي به في الصلاة إذ ظهر به أن ما كتبه في تكفيره نصا أو اقتضاء فهو

عقوبة لا عقيدة، وبعد أداء الصلاة بالجماعة قاموا لشرب الشاي والتحاور الأخوي

في شجون الكلام، ثم انصرف الجميع مسرورين.

ولم نكد نصل إلى دار المنار حتى علمنا منها أن مطبعة الأستاذ الدجوي التي

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٣٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٣٠١