اتفاق الأئمة الأربعة على ترك العمل بحديث آحادي يعدونه دليلا على وجود مانع
من العمل به، كعلة في سنده أو معارض لمتنه من نسخ أو غيره، وما يذكرونه في
كتبهم من أحكام الردة فيقال فيه ما يقال في سائر أحكام الردة عند غيرهم من علماء
سائر المذاهب: إنها بيان للحكم منوط بالدليل قوة وضعفا، ونحن نرى فقهاء المذاهب
كلها يختلفون في المسائل الاجتهادية من هذه الأحكام حتى أن ما يعد كفرا وردة عند
الحنفية مثلا قد يكون حراما أو مكروها عند الشافعية، فمثل هذا البيان لا يسمى تكفيرا
للمسلمين بالفعل لكثرة من تنطبق عليهم هذه الأحكام، ولا يترتب عليه سفك الحاكم
المسلم لدمائهم وإجراء أحكام الردة عليهم؛ فإن تكفير الشخص المعين لا يصح إلا
بحكم يبنى على ثبوت الردة مع مراعاة درء الحدود بالشبهات، كالتأول والجهل فيما
يعذر به الجاهل ونحو ذلك، ولهذا يحتاط جميع العلماء فيه ويشددون في النهي عن
تكفير الشخص المعين.
مثال ذلك أن الإمام أحمد يقول بكفر تارك الصلاة، فعلى قاعدة الأستاذ الدجوي
يصح أن يقال: إن هذا الإمام الجليل يستبيح دماء هؤلاء الألوف الذين نراهم في
وقت صلاة الجمعة تغص بهم أسواق القاهرة وشوارعها، وتكتظ بهم ملاهيها
وحاناتها، دع سائر الصلوات التي يمكن التماس العذر لمن يترك جماعتها بأنه قد
يصليها في بيته، فإن صح هذا القول عند الأستاذ في إمام الأئمة أحمد بن حنبل،
فكيف يعاب به أتباعه الملقبون بالوهابية؟
إن النجديين يخالفون إمامهم في مسألة التكفير بترك الصلاة لأنها ليست
إجماعية في غير المستحل للترك، الذي لا يذعن للأمر والنهي، كما قلت آنفا.
ها نحن أولاء نرى حكومتهم في مكة المكرمة تقيم حدود الشرع كلها، فتقطع
يد السارق، وتقتل القاتل، وتقيم الحد على السكران، إذا ثبت عليهم ذلك شرعا،
ولم نرها ولا سمعنا عنها، أنها أقامت حد الكفر على أحد ممن على غير مذهبها
الحقيقي وهو مذهب أحمد بن حنبل، ولا مذهبها المزعوم الذي يقول الأستاذ
الدجوي إنها تجبر الناس عليه بالقوة، مع علم الملايين من الناس أن أهل الحجاز لا
يزالون على مذاهبهم.
ولا أنكر مع هذا البيان أنه يوجد في النجديين غلاة في الدين، ولا سيما قريبي
العهد بالبداوة وجفوتها وجهالتها، وهؤلاء الغلاة الجاهلون يجتهد ملكهم بتحضيرهم
وتعليمهم، وقد قاتل في العامين الماضيين طائفة منهم كما هو مشهور، ولا تجد
مثل هذا الغلو في الحضر منهم، وأكثرهم أو كلهم يعرفون أمور دينهم، وأنا أرى
وكيل حكومتهم في مصر الشيخ فوزان السابق يصلي الجمعة في المساجد المتعددة،
فلو كان يعتقد أن أئمتها والمصلين فيها كفار لما كان يصلي معهم.
وإذا كان حال بدو زماننا على ما نعلم، فماذا نقول فيهم قبل بث النجديين للدين
فيهم؟ كانوا يجهلون جل عقائد الإسلام ويتركون أركانه، ويستحلون قتل الحجاج
وغيرهم، لتوهم ريال واحد يوجد عند أحدهم، وقد بطل هذا من نجد، ثم من
الحجاز بإرشاد هؤلاء الوهابيين وتنفيذ حكومتهم للشرع.
هذا ما قلته في مجلس الصلح ردا على الأستاذ الدجوي بإيضاح ما في العبارة
المكتوبة دون زيادة في أصل الموضوع.
وقلت أيضا: إنني أنصح لهم - بل لملكهم نفسه - في كل المسائل التي تشرع
فيها النصيحة بمكتوبات خاصة لا بالتشهير في المنار أو الصحف؛ فإن هذا هو الذي
يرجى نفعه ويعد امتثالا للأمر بالتواصي بالحق والصبر والأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر، وقد أبلغ في النصيحة والموعظة ما يستكبره ويستنكره بطانة الملك
السعودي؛ لأنني أسلك فيه طريقة السلف الصالح في موعظة الخلفاء والأمراء وهو
يحب هذه الطريقة، وقد ألفها من علماء قومه.
ثم إن الأستاذ الدجوي ادعى أنني أنا المتعدي عليه بالرد والتحقير، وإنه ليس
إلا مدافعا عن نفسه فأخرجت من جيبي كتابا كان أرسله إلى منذ 13 شهرا هو