تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

متانة التأليف، وحسن الصياغة، وارتفاع البيان فيها إلى أعلى مراتبه، أما أنت

فقد وفيت من ذلك ما لا غاية لمزيد بعده، ولا مطمع لطالب أن يبلغ حده، ولو

كنت ممن يقول بالتناسخ لذهبت إلى أن روح ابن المقفع كانت من طيبات الأرواح،

فظهرت لك اليوم في صورة أبدع، ومعنى أنفع، ولعلك قد سننت بطريقتك في

التعريب سنة يعمل عليها من يحاوله من ظهور كتابك، ويحملها الزمان إلى أبناء ما

يستقبل منه، فتكون قد أحسنت إلى الأبناء، كما أجملت الصنع مع الآباء، وحكمت

للغة العربية أن لا يدخلها بعد من معجمة سوى ما هو في الأسماء، أسماء الأماكن

والأشخاص، لا أسماء المعاني والأجناس، ومثلي من يعرف قدر الإحسان إذا عم،

ويعلي مكان المعروف إذا شمل، ويتمثل في رأيه بقول الحكيم العربي:

ولو أني حبيت الخلد فردا ... لما أحببت بالخلد انفرادا

فلا هطلت علي ولا بأرضي ... سحائب ليس تنتظم البلادا

فما أعجز قلمي عن الشكر لك، وما أحقك بأن ترضى من الوفاء باللفاء [2] .

تقول: إن الذي وصل سببك بسبب صاحب الكتاب، ووقف بك على دقائق

من معانيه اشتراكك معه في البؤس، ونزولك منزلته من سوء الحال، وربما كان

فيما تقول شيء من الحقيقة، فإن كان البؤس قد هبط على صاحبه بتلك الحكمة، ثم

كان سببا في امتيازك من بين المترفين بتلك النعمة، سألت الله أن يزيد وفرك من

هذا البؤس حتى يتم الكتاب على نحو ما ابتدأ، وأن يجعلك في بؤسك أغنى من

أهل الثراء في نعيمهم، والسلام.

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... محمد عبده

هذا وإن مدح حافظ للأستاذ الإمام واتصاله به هو الذي فجر ينابيع الحكمة في

شعره، وكان أكبر أسباب شهرته به، بما جعل أكثر شعره في الشؤون الاجتماعية

والسياسية والأفكار الأدبية النافعة، كما كان سبب انتفاعه المادي بأدبه وشعره،

فالإمام هو الذي وصله بصديقه أحمد حشمت باشا عاشق العربية وآدابها، ووصاه

بمساعدته إذ كان مديرا لأسيوط ثم للدقهلية، وحشمت باشا رحمه الله هو الذي تبرع

له بطبع الجزء الأول من ديوانه، والجزء الأول من كتاب البؤساء ووزع له هو

وغيره من أصدقاء الإمام ألوفا من نسخهما، ثم لما صار وزيرا للمعارف جعل له

وظيفة كتابية في دار الكتب المصرية العامة، ومنح بسعيه الرتبة الثانية، فعاش

بعد ذلك عيشة راضية، وإن ظل يتمثل بالبيت الذي يصفها بالذبذبة.

كان حافظ يتمنى لو يكون غنيا بغير أدنى عمل يعمله للغنى، فهو لم يكن يقدر

على احتمال أدنى تعب أو مشقة في عمل ما؛ وإنما كانت فلسفته في الحياة أن

يكون ناعم البال، طيب الطعام والشراب، دائب الفكاهة والدعابة مع الأصدقاء،

ولولا أنه كان يعشق الأدب عشقا لما قرأ فيه كتابا، ولما نظم بيتا ولا نمق خطابا،

وقلما كان أحد من الأغنياء ممتعا بنعمة العيش مثله، ولو أوتي من الرزق أضعاف

ما أوتي لأنفقه كله في سبيل الرفاهة وبلهنية العيش، وكان يحفظ من النكات والملح

والنوادر والتنادر ما لا حد له ينتهي إليه، على ما يحفظه من روائع الشعر وبدائع

النثر، مما لو جمعه في الدفاتر لكان له منه ثروة واسعة.

وقد أوتي من قوة الحفظ وسرعة الاستحضار للمحفوظ وبطء النسيان أو عدمه

ما يذكرنا برواة اللغة وحفاظ الحديث، فلو أنه عني بالحفظ والرواية لأعاد لمصر

عهد الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني رحمه الله، وكان يحفظ كل ما ينظم وينثر

ويترجم ككتاب البؤساء، وما أراه حفظ من كتاب الاقتصاد السياسي الذي ترجمه

هو وزميله خليل بك مطران شيئا إلا أن يكون بعض المفردات أو الجمل التي

اهتدى هو إلى تعبير عربي عنها غير معروف، ولو كان له رغبة لذة في حفظه لما

شق عليه حفظه على كبره، وإن كان فنا لا أدبا.

وكان حافظ قوي الاستقلال العقلي والوجداني، لا يقبل ولا يسلم ما لا يعقله

ويرتاح له وجدانه، لهذا كان ينكر في نفسه أمورا كثيرة من عقائد الدين، فكان مما

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٨١