ما شاء أن يضارها، فكان ذلك مما أصلحه الإسلام من أمور الاجتماع، وكان سبب
نزول الآية ما أخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما عن عائشة وأورده السيوطي في
أسباب النزول قالت: (كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها وهي امرأته إذا
ارتجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة مرة وأكثر، حتى قال رجل لامرأته: والله
لا أطلقك فتبيني ولا آويك أبدا، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك فكلما همت
عدتك أن تنقضي راجعتك. فذهبت المرأة فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فسكت
حتى نزل القرآن: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ (البقرة:
229)) اه. ثم قال تعالى:
{وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف
ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله
هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به
واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم} (البقرة: 231) .
{وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا
تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم
أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون} (البقرة: 232) .
نهى الله تعالى أولياء المرأة أن يعضلوها، أي يمنعوها أن تعود إلى زوجها
الأول إذا رضي كل منهما بذلك؛ وإنما يكون هذا بعد انقضاء العدة بعقد جديد ومهر
جديد، وقال في الآية التي قبل هاتين الآيتين: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن
أرادوا إصلاحا} (البقرة: 228) وهي في ردها إلى عصمته قبل انقضاء العدة،
والأفضل للمرأة ألا تعرف إلا زوجا واحدا.
50- منع مضارة النساء بالإيلاء والظهار
أما مضارة الإيلاء فهو أن يغضب الرجل على امرأته فيحلف ألا يقربها، وهو
الإيلاء منها، فالشرع ضرب له أجلا أربعة أشهر فإن فاء، أي رجع عن يمينه إلى
أداء حق الزوجية الذي حلف على تركه غفر له ما كان فعله أو قصده من ضررها،
فإن لم يفعل وجب منع الضرر بالطلاق، فبعض الأئمة يقول إن الطلاق يقع
بانقضاء الأربعة الأشهر، ويكون بائنا لا رجعة له فيه، وبعضهم يقول يلزمه
القاضي أحد الأمرين: الرجوع عن اليمين أو الطلاق، وأصل ذلك الآيتان من
سورة البقرة (226 و227) .
وأما الظهار فهو أن يحرم الرجل امرأته بتشبيهها بأمه، وكان أشهر ألفاظهم
في الجاهلية به قوله لها، أنت علي كظهر أمي. وقد حرمه الإسلام وجعل كفارته
أن يعتق عبدا قبل أن يمس امرأته، فإن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين، فإن
لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، وبيان ذلك في أول سورة المجادلة.
51- حق النساء في فسخ عقد الزوجية
ومخالعة الرجل
إن لحل رابطة الزوجية ثلاثة طرق: فسخ الحاكم للعقد، والخلع، والطلاق،
فأما الفسخ فيكون بأسباب مشتركة بين الرجال والنساء كالعيوب الخلقية المانعة من
أداء الوظيفة الزوجية والأمراض العضالة المعدية، ويكون بطلب المرأة إذا امتنع
الرجل أو عجز عن النفقة عليها أو غاب غيبة منقطعة بشرطها، والعيوب المرضية
التي كان يثبت بها الخيار في الزواج، ولكل من الزوجين فسخه بها من عهد
الصحابة رضي الله عنهم هي الجنون والجذام والبرص وزاد بعضهم السل لما
عرفوه - وفي معناه كل داء معد بالتجربة الثابتة عند الأطباء - وقد صرح ابن رشد
بتعليل بعضهم للمرض المبيح للخيار والفسخ بسرايته إلى النسل، وأما عيوب
الخلقة فالمنصوص عليه منها ما يمنع أداء وظيفة الزوجية وهي العنة والجب
والخصاء في الرجل، والرتق والعفل والقرن في المرأة، وللفقهاء خلاف في هذه
العيوب وأحكامها؛ وإنما غرضنا هنا أن نبين أن الإسلام يحكم في أمثال هذه
المسائل بالعدل والمساواة بين الرجل والمرأة في العيوب؛ لأنها مشتركة قد يوجد
في كل منهما ما يعد من الظلم قبول الآخر به بالإكراه، ومن قواعد الإسلام: (لا