تربتها تبركا، وإفاضة الطيب على القبور وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على
الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى.
وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي في كتابه: (سيف الله على من كذب على
أولياء الله) هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون للأولياء
تصرفات في حياتهم وبعد مماتهم وينادونهم في قضاء الحاجات (إلى أن قال) :
وهذا الكلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي، والعذاب السرمدي لما فيه
من روائح الشرك المحقق، ومصادرة الكتاب العزيز المصدق، ومخالف لعقائد
الأئمة وما أجمعت عليه الأمة اه.
فهل بعدما سمعت ما قاله فقهاء المذاهب في حكم الاستغاثة بغير الله في الشدائد،
وما صرحوا به من أن فيه روائح الشرك المحقق ومصادرة الكتاب العزيز، وأنه
مخالف لعقائد الأئمة وما أجمعت عليه الأمة، أقول: هل يروج عليك بعد ذلك كله أن
هذا كلام الوهابية لا كلام أهل السنة والجماعة؟
(فإن قيل) إن هذا الأسلوب منفر لكثير من الناس، وإن الدعوة إلى الله
يجب أن تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، قلنا هذا حق ونحن إذا كنا متفقين على
أن ما يجري حول القبور مما حاصله دعاء غير الله عز وجل هو خطأ وجهل كان
لا بد لنا من إنكاره والسعي في إزالته واستئصاله.
وقد قرأت لنابغة الشام عن الإمام ابن تيمية قدس الله روحه أنه أفتى بعدم كفر
من أشرك عن جهل إلا إذا تبين له الحق وأصر مستكبرا، وقرأت للإمام محمد بن
عبد الوهاب رحمه الله تعالى أنه كان يقول لمن يدعو زيد بن الخطاب من دون الله:
الله خير من زيد، وعللوا ذلك بغلبة الجهل على الناس في أزمانهم حتى في
بعض أمور الدين المعلومة منه بالضرورة، فكيف في زماننا الذي تراخى فيه العهد
أكثر، فضعف العلم بآثار الرسالة جدا واستولى الجهل على الناس.
بقي علينا قول الأستاذ الشنقيطي: (فالإنكار مدته قصيرة وعلماء الإسلام لا
يزالون بخير) .
فأنا الآن أنادي بأعلى صوتي وأتحداه وأتحدى معه من يحب من العلماء بأن
يأتوني بشاهد واحد من كتب ابن تيمية، أو أحد السلفيين إلى عصرنا هذا يؤيد
دعواهم أنهم يكفرون من يبتهل إلى ربه ويدعوه وحدها متوسلا إليه بأحد من خلقه،
وأنا أمهله أياما بل أشهرا وأعواما إن شاء، فإن لم يأتوني به فليعلم الأخ الأمين أني
لم أنطق إلا بالحق المبين، ولم أقل ما قلت إلا عن سابق علم واختبار، وإني
توخيت بذلك جمع الكلمة وتقريب مسافة الخلف، وإزالة الوحشة والجفاء وإحلال
المودة والرحمة محلهما في هذا الوقت العصيب والله هو الموفق والمعين.
وقد سألني الأستاذ الأديب في هذا المقام عن وقائع العراق وشرق الأردن
والحجاز، وهو سؤال أقرب إلى السياسة منه إلى الدين، على أني أوجز ما أعلمه،
وأدع ما ليس لي به علم.
إن وقعة الطائف كانت فلتة، وسمعت جلالة الملك الإمام عبد العزيز يردد قول
الرسول صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد) [*] وقد أمر -
أيده الله - بتأليف لجنة بمكة للتعويض على المنكوبين، وأخرى في الطائف وكنت
أحد أفرادها.
وأما إنشاء حصون العراق وحواجزه فهو من جنس ما نشكو منه في بلادنا
ونحاول إزالته؛ لأنه مقطع لروابطنا ممزق لشملنا.
وأما كلامه في شرق الأردن فلو تتبع الوقائع لعرف أن ليس له حجة يحتج بها،
وأما البادية فلا راحة لها ولا لغيرها إلا بدخولها في الدين والطاعة، وقد تم ذلك
ولله الحمد.
دمشق ... ... ... ... ... ... ... محمد بهجت البيطار
***
ثلاث كلمات للمنار تتعلق بالموضوع
إنني أقفي على هذه الرسالة بثلاث كلمات (إحداها) أنني أرى جميع الذين
يجادلون في هذا العصر فيما اتبع فيه بعض المسلمون سنن من قبلهم شبرا بشبر
وذراعا بذراع مصداقا لحديث الرسول الصحيح صلى الله عليه وسلم، ومنه الشرك
الصريح والشرك الذي يحتمل التأويل - يغفلون عن مسألة مهمة جدا وهي الفرق