تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المسلمين} (يونس: 90) فيكون أهل الجاهلية وفرعون الذي ادعى الربوبية

والألوهية أولى بدعاء الله وحده عند الشدائد ممن يتبجحون بالإسلام والتوحيد،

وبديهي من عقيدة المسلمين أن جميع المخلوقات لا يملكون لأنفسهم - ولا لغيرهم

بالأولى - في الرخاء ولا في الشدة ضرا ولا نفعا، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا

نشورا، فكيف تتفق هذه العقيدة المستندة إلى النصوص القطعية المجمع عليها مع

دعاء غير الله تعالى في الرخاء وفي الشدة أيضا.

فإن قلت: إن الداعي لم يرد بدعائه إلا الله متوسلا إليه بمن يدعوه، وإن قلبه

منطو على عقيدة صحيحة لو كشف الغطاء لشهدت صحتها، وهلا شققت عن قلبه؟

فالجواب أن ما في القلب لا يعلمه إلا علام الغيوب، وأن الكلام منحصر في دائرة

الأقوال والأفعال التي تناقض صحة العقيدة القلبية كل المناقضة، والشارع ناط

الأحكام بالظاهر والله يتولى السرائر، ولا يرد حديث (هلا شققت عن قلبه) إلا

على من يدعي معرفة الباطن، وأنه مناقض أو موافق للظاهر؛ وإنما البحث فيما

يبدو للحس من قول أو عمل مصادم للشرع، وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم

على أسامة قتل من أتى بكلمة التوحيد ولم ينقضها بقول ولا عمل، فادعى أسامة

رضي الله عنه أنه لم يأت بها عن عقيدة قلبية فأنكر ذلك عليه النبي صلوات الله

عليه وقال: (هلا شققت عن قلبه) وأين هذا من ذاك؟

فإن قلت إنا نحمل قوله على المجاز العقلي فالجواب كما قال بعض المحققين

من وجوه:

(الأول) أن هذه الألفاظ دالة دلالة مطابقة على اعتقاد التأثير من غير الله

تعالى.

(الثاني) لو سلم هذا الحمل لاستحال الارتداد وانسد باب الردة الذي يعقده

الفقهاء في كل مصنف وكتاب من كتب أهل المذاهب الأربعة وغيرها؛ فإن المسلم

الموحد متى صدر منه قول أو فعل موجب للكفر يجب حمله على المجاز، والإسلام

والتوحيد قرينة ذلك المجاز.

(الثالث) أنه يلزم على هذا أن لا يكون المشركون الذين نطق كتاب الله

بشركهم مشركين؛ فإنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق الرازق الضار النافع، وأن

الخير والشر بيده؛ ولكن كانوا يعبدون الأصنام وغيرها بالدعاء والنذور لتقربهم إلى

الله زلفى وتشفع لهم عنده، فالاعتقاد المذكور قرينة على أن المراد بالعبادة ليس

معناها الحقيقي، بل المراد هو المعنى المجازي أي كالتكريم مثلا، فما هو جوابكم

فهو جوابنا.

قال صديقنا العالم السلفي الشهير الشيخ أبو بكر خوقير المكي رحمه الله في

كتابه (فصل المقال) ناعيا على من يسمي الطلب من غير الله توسلا: فيا ليت

أولئك القوم يقولون بكراهة الطلب من الميت فيما لا يقدر عليه بدلا من تصريحهم

أن ذلك توسل وقربة، وليتهم ينصحون العامة بترك التغالي في ذلك، وليتهم

يكتبون رسائل في تقبيح ذلك أو ليتهم يسكتون. إلى أن قال: وكأنهم لا يشعرون

إلى الآن بما حل بالأمة من جراء ذلك من الانحطاط في النفوس والعقول والدين

والدنيا.

ثم قال رحمه الله: ولو ترك بعض أولئك الرؤساء العناد وتنازلوا قليلا عن

الغلو الذي هم فيه لوجدوا أمامهم في كتب الفقه عبارات كثيرة تمنع ذلك:

قال في طوالع الأنوار شرح تنوير الأبصار مع الدر المختار للشيخ محمد عابد

السندي الحنفي: ولا يقول يا صاحب القبر يا فلان اقض حاجتي أو سلها من الله أو

كن لي شفيعا عند الله. بل يقول: يا من لا يشرك في حكمه أحدا اقض لي حاجتي

هذه وحيدا كما خلقتني. وقال في الفتاوى البزازية: من قال: إن أرواح المشايخ

حاضرة تعلم: يكفر. وقال أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي: لما صعبت التكاليف على

الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت

عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع مثل

تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد النيران، وتقبيلها وتخليقها،

وخطاب الموتى للحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، أو أخذ

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٤٧