صدقه وإخلاصه، فلما توفي زوج حفصة بنت وزيره الثاني رأى أن يساوي بينه
وبين أبي بكر في تشريفهما بمصاهرته، ولم يكن في الإمكان أن يكافئهما في هذه
الحياة بشرف أعلى من هذا، فتزوج حفصة في السنة الثالثة، وقيل في السنة
الثانية، ولولا ذلك لكانت حسرة في قلب عمر، فما أجل سياسته صلى الله عليه
وسلم وما أعظم وفاءه للأوفياء له ! .
ويقابل ذلك إكرامه لعثمان وعلي رضي الله عنهما بتزويجهما ببناته، وهؤلاء
الأربعة أعظم أصحابه في حياته، وخلفاؤه في إقامة ملته ونشر دعوته بعد وفاته.
4- زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها:
زوجها النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى لمولاه (عتيقه) ومتبناه زيد
ابن حارثة، ثم زوجه الله إياها بعد طلاق زيد لها لحكمة لا تعلوها حكمة في زواج
أحد من أزواجه، وهي إبطال بدعة التبني التي كانت متبعة في الجاهلية، وكان
ذلك سنة ثلاث، وقيل خمس من الهجرة.
ذلك أنه كان من عادات العرب الباطلة التي اتخذت دينا تقليديا أنهم يتخذون
لأنفسهم أبناء أدعياء يلصقونهم بأنسابهم، ويعطون الدعي منهم جميع حقوق الأبناء
حتى في المواريث ومحرمات النكاح، وما كان الإسلام ليقرهم على باطل، فحرم
الله التبني وهو يعلم ما علق بالطباع ولصق بالوجدان من تأثير هذا النسب المفتعل،
وأن إبطاله وإبطال لوازمه مما يثقل على الناس امتثاله كما هو شأن التقاليد العامة
الراسخة، إلا على أصحاب الإيمان الكامل والعزائم المرهفة الحد، الذين لا يبالون
بشعور الجماهير، ولا برميهم لمخالفهم بنعوت التحقير وقليل ما هم.
علم الله تعالى هذا فألهم نبيه من قبل إنزال وحيه عليه وإرساله إلى الناس
مبشرا ونذيرا أن يتبنى غلاما كان ملكا لزوجه خديجة، فوهبته له وأشرب قلبه حبه،
على ما كان من كرهه لعادات الجاهلية الباطلة، ليجعله هو القدوة الصالحة في
إبطال التبني وكل ما كان له من الأحكام، وكان هذا الغلام زيد بن حارثة، ومن
زيد بن حارثة؟
كان زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي من كرام العرب وكانت أمه سعدى بنت
ثعلبة من بني معن بن طيئ، وقد زارت قومها وهو معها فأغار عليهم جيل لبني
العين بن حر فسبوه وهو غلام يفقه، واحتملوه إلى عكاظ فعرضوه للبيع فاشتراه
حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد في الجاهلية، فلما تزوجها رسول الله صلى
الله عليه وسلم وهبته إياه لما رأت من إعجابه بأدبه وفطرته الزكية، وكان أبوه
ينشده وينشد فيه الشعر موصيا أولاده بالبحث عنه، فحج ناس من قومه فرأوا زيدا
بمكة فعرفوه وعرفهم، وحملهم شعرا في حنينه إلى قومه فبلغوا والده حارثة خبره،
فخرج هو وأخوه كعب بفدائه فقدما مكة فسألا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل
لهما هو في المسجد، فدخلا عليه فقالا: (يا ابن عبد المطلب يا ابن سيد قومه أنتم
أهل حرم الله تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ولدنا عندك، فامنن علينا
وأحسن في فدائه فإنا سندفع لك، قال: وما ذاك؟ قالوا: زيد بن حارثة، فقال:
أو غير ذلك؛ ادعوه فخيروه فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني فوالله
ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء.
قالوا: فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء، قال: نعم، هذا أبي وهذا عمي، قال:
فأنا من قد علمت وقد رأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما، فقال زيد: ما أنا
بالذي أختار عليك أحدا، أنت مني بمكان الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيد أتختار
العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟ قال: قد رأيت من هذا الرجل
شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا.
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر فقال:
اشهدوا أن زيدا ابني يرثني وأرثه، فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما،
فدعي زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام) رواه ابن سعد، ونحوه في سيرة ابن
إسحاق.
وروى الحاكم خبر أسره ومجيء والده وأهله في طلبه مطولا، وفيه أنه كان