حتى أصبح رجال مقاطعات من بلادنا لا يقبلن البنت زوجة ما لم تكن مجربة، أي
عندها أولاد من الزنا ينتفع بشغلهم!! وهذا غاية الهبوط بالمدنية، فكم قاست هذه
المرأة من مرارة هذه الحياة حتى قدرت على كفالتهم، والذي علقت منه لا ينظر
إلى أولئك الأطفال ولا يتعهدهم بشيء، ويلاه من هذه الحالة التعسة، ترى من
كان معينا لها في الوحم ودواره، والحمل وأثقاله، والوضع وآلامه، والفصال
ومرارته؟ اه.
ذلك ما قلناه في وجه الحاجة تارة والضرورة تارة إلى تعدد الزوجات، ويزاد
عليه ما علم منه ضمنا من كثرة النسل المطلوب شرعا وطبعا، فإذا كان منع التعدد
ولا سيما في أعقاب الحروب وكثرة النساء يفضي إلى كثرة الزنا وهو مما يقلل
النسل - كان مما يليق بالشريعة الاجتماعية المرغبة في كثرة النسل والمشددة في منع
الزنا أن تبيح التعدد عند الحاجة إليه لأجل ذلك مع التشديد في منع مضراته، وقد
صرح بعض علماء أوربا بأن تعدد الزوجات من جملة انتشار الإسلام في إفريقية
وغيرها وكثرة المسلمين، ومهما يكن من ضرر تعدد الزوجات فهو لا يبلغ ضرر
قلة النسل الذي منيت به فرنسا بانتشار الزنا وقلة الزواج وستتبعها إنكلترا وغيرها
من الأمم التي على شاكلتها في التساهل في الفسق.
وأما منع تعدد الزوجات إذا فشا ضرره وكثرت مفاسده وثبت عند أولي الأمر
أن الجمهور لا يعدلون فيه في بعض البلاد لعدم الحاجة إليه بله الضرورة، فقد
يمكن أن يوجد له وجه في الشريعة الإسلامية السمحة إذا كان هناك حكومة إسلامية؛
فإن للإمام أن يمنع المباح الذي يترتب عليه مفسدة ما دامت المفسدة قائمة به
والمصلحة بخلافه، بل منع عمر رضي الله عنه في عام الرمادة أن يحد سارق
ولذلك نظائر أخرى ليس هذا محل بيانها، وللأستاذ الإمام فتوى في ذلك (تقدم أنها
في أول المجلد 28 من المنار) .
لكن الإفرنج يبالغون في وصف مفاسد التعدد، وكذا المتفرنجون كدأب الناس
في التسليم للأمة القوية والتقليد لها، وما قال الأستاذ الإمام ما قاله في التشنيع على
التعدد إلا لتنفير الذواقين من المصريين وأمثالهم الذين يتزوجون كثيرا ويطلقون
كثيرا لمحض التنقل في اللذة والإغراق في طاعة الشهوة مع عدم التهذيب الديني
والمدني.
ألا إن التهذيب الذي يعرف به الإنسان قيمة الحياة الزوجية يمنع صاحبه التعدد
لغير ضرورة، فهذه الحياة التي بينها الله تعالى في قوله: {ومن آياته أن خلق لكم
من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} (الروم: 21) قلما
تتحقق على كمالها مع التعدد ولا سيما إذا كان لغير عذر؛ ولذلك يقل في المهذبين
من يجمع بين زوجين، وإنني لا أعرف أحدا من أصحابي في مصر وسورية له
أكثر من زوج واحدة. اه المراد منه.
يا معشر النساء المحصنات
أرأيتن ما نقلته إليكن عن بعض نساء الشعب الإنجليزي الذي هو أسلم من
الشعب الفرنسي أخلاقا، وأمثل تربية وأكثر نسلا؟ ذلك ما كتبته منذ ثلاثين عاما،
فما رأيكن فيما يقوله أمثالهن من الكاتبات والكاتبين في هذه الأعوام، وقد فقدت
أوربة في حربها العالمية الكبرى زهاء عشرين مليون رجل أمسى مثلهم أو أكثر
منهم من النساء محرومات من الحياة الزوجية والنسل وكفالة الرجل [21] فترجل
الملايين منهن، وصرن يزاحمن الرجال في الأعمال على كثرة العاطلين منهم
والبطالين، ويطلبن مساواتهم في كل شيء، فقلت الرغبة في الزواج، وتفاقم شر
الطلاق، واستشرى فساد الخنا والبغاء، حتى صرح بعض كبار العقلاء من الكتاب
بأن البيوت الإنكليزية مهددة بالسقوط والزوال، بعد أن كانت أشد رسوخا وثباتا من
الجبال، وأن الحال فيما عدا إيطالية من الدول الحربية أسوأ، ولا سيما الولايات
المتحدة الأمريكية؛ فإن إسراف نسائها ورجالها في الطلاق، وفي نكاح التجربة قد
أوشك أن يقوض فيها بناء الأسرة وينتهي باستقلال النساء وأمر النسل إلى الشيوعية