تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسلم: (أبايعهن ﴿على أن لا يشركن بالله شيئا﴾ (الممتحنة: 12) فرفعت هند

رأسها وقالت: والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال - وكان بايع

الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد - فقال النبي صلى الله عليه وسلم:] ولا

يسرقن [فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصبت من ماله هنات فلا

أدري أيحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو

لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال لها: وإنك لهند بنت

عتبة، قالت: نعم، فاعف عما سلف عفا الله عنك، فقال:] ولا يزنين [فقالت:

أو تزني الحرة؟ فقال:] ولا يقتلن أولادهن [فقالت هند: ربيناهم صغارا

وقتلتموهم كبارا فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر،

فضحك عمر رضي الله عنه حتى استلقى، وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم

فقال:] ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن [وهو أن تقذف ولدا على

زوجها وليس منه، قالت هند: والله إن البهتان لقبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم

الأخلاق فقال:] ولا يعصينك في معروف [قالت هند: ما جلسنا مجلسنا هذا

وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء، فأقر النسوة بما أخذ عليهن) .

وكان صلى الله عليه وسلم يقول لهن عند المبايعة: (فيما استطعتن وأطقتن)

فيقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا.

أقول: وأية رحمة ويسر في الإسلام أوسع من تقييد الله طاعة رسوله

بالمعروف، وهو لا يأمر إلا بالمعروف، ومنه منع عادات الجاهلية في الموتى، ثم

تقييد الرسول نفسه ذلك بالاستطاعة والطاقة وفاقا لقوله تعالى: {فاتقوا الله ما

استطعتم} (التغابن: 16) وقوله: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (البقرة:

286) وقوله: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (البقرة: 185)

وقوله: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (الحج: 78) .

وقتل الأولاد يدخل فيه ما كان يفعله بعض العرب من وأد البنات أي دفنهن

حيات اتقاء لعارهن أن يسبين أو يفجرن، وقتل الصغار لأجل الفقر أو خوف الفقر

إذا كبرن. وقال بعض المفسرين: إن منه تعمد المرأة إسقاط الجنين لأي سبب من

الأسباب. وأما البهتان الذي أخذ عليهن ألا يفترينه بين أيديهن فهو أن يلحقن

بالرجل ولدا ليس له كما فسر في الحديث، أي ولو لقيطا يلتقطنه؛ فإن المرأة تضع

طفلها كذلك، وهذه الكناية من أبدع كنايات القرآن بلاغة ونزاهة.

ثم بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال بيعة النساء كما في حديث

عبادة بن الصامت المتفق عليه، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في

مجلس فقال: (تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا

تقتلوا أولادكم، وقرأ الآية التي أخذت على النساء ﴿إذا جاءك المؤمنات﴾ (الممتحنة: 12) فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب

به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء

غفر له وإن شاء عذبه) .

وروى الإمام أحمد أن فاطمة بنت عتبة جاءت تبايع رسول الله صلى الله عليه

وسلم، فأخذ عليها ﴿أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين﴾ (الممتحنة:

12) الآية، فوضعت يدها على رأسها حياء، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة:

(أقري أيتها المرأة، فوالله ما بايعنا إلى على هذا) قالت: فنعم إذا، فبايعها بالآية.

8- حقوق النساء في التعليم والتأديب

بين الله تعالى في مواضع من كتابه أنه أرسل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم

في الأميين ليخرجهم من الأمية، فيتلو عليهم آيات الله ويعلمهم الكتاب والحكمة

ويزكيهم، ومدح العلم في آيات كثيرة، ومدحه رسوله في مواضع لا محل لسرد

شيء منها هنا، وقد فسر بعضهم الكتاب في هذه الآيات بصناعة الكتابة؛ لأنه في

الأصل مصدر (كتب) ثم أطلق على المكتوب، وكان النبي يحث أصحابه على تعلم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ١٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ١٧٢