غافر الذنب وقابل التوب
[غافر: 3] ﴿ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ﴾ صيغة أمر متضمنة للوعيد أي اعملوا ما شئتم من الأعمال فأعمالكم لا تخفى على الله، وستعرض يوم الحساب على الرسول والمؤمنين ﴿ وستردون إلى عالم الغيب والشهادة ﴾ أي وستردون إلى الله الذي لا تخفى عليه خافية ﴿ فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ أي فيجازيكم على أعمالكم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر ﴿ وآخرون مرجون لأمر الله ﴾ أي وآخرون من المتخلفين مؤخرون إلى أن يظهر أمر الله فيهم قال ابن عباس: هم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، لم يسارعوا إلى التوبة والاعتذار، وكانوا من أصحاب بدر، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامهم والسلام عليهم، فصاروا مرجئين لأمره تعالى إلى أن يتجاوز عن سيئاتهم، فهو تعالى وحده الذي يقبل التوبة ويتوب على العبد دون غيره ﴿ إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ﴾ أي إما أن يعذبهم إن لم يتوبوا، وإما أن يوفقهم للتوبة ويغفر لهم ﴿ والله عليم حكيم ﴾ أي عليم بأحوالهم حكيم فيما يفعله بهم، وهؤلاء الثلاثة المذكورون في قوله تعالى
وعلى الثلاثة الذين خلفوا
[التوبة: 118] وقد وقف أمرهم خمسين ليلة وهجرهم الناس حتى نزلت توبتهم بعد ﴿ والذين اتخذوا مسجدا ضرارا ﴾ أي ومن المنافقين جماعة بالغوا في الإجرام حتى ابتنوا مجمعا يدبرون فيه الشر، وسموه مسجدا مضارة للمؤمنين، وقد اشتهر باسم " مسجد الضرار " ﴿ وكفرا ﴾ أي نصرة للكفر الذي يخفونه ﴿ وتفريقا بين المؤمنين ﴾ أي يفرقون بواسطته جماعة المؤمنين، ويصرفونهم عن مسجد قباء ﴿ وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل ﴾ أي ترقبا وانتظارا لقدوم أبي عامر الفاسق الذي قال لرسول الله: لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، وهو الذي أمرهم ببناء المسجد ليكون معقلا له قال الطبري في رواية الضحاك: هم ناس من المنافقين بنوا مسجدا بقباء يضارون به نبي الله والمسلمين وكانوا يقولون: إذا رجع أبو عامر صلى فيه، وإذا قدم ظهر على محمد وتغلب عليه ﴿ وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ﴾ أي وليقسمن ما أردنا ببنائه إلا الخير والإحسان، من الرفق بالمسكين، والتوسعة على المصلين ﴿ والله يشهد إنهم لكاذبون ﴾ أي والله يعلم كذبهم في ذلك الحلف، وأتى بإن واللام لزيادة التأكيد، ثم نهى تعالى رسوله عن الصلاة في مسجد الضرار فقال ﴿ لا تقم فيه أبدا ﴾ أي لا تصل فيه يا محمد أبدا لأنه لم يبن إلا ليكون معقلا لأهل النفاق ﴿ لمسجد أسس على التقوى ﴾ اللام لام القسم أي لمسجد قباء الذي بني على تقوى الله وطاعته ﴿ من أول يوم ﴾ أي من أول يوم ابتدئ في بنائه ﴿ أحق أن تقوم فيه ﴾ أي أولى وأجدر بأن تصلي فيه من مسجد الضرار ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ أي في هذا المسجد رجال أتقياء - وهم الأنصار - يحبون أن يتطهروا من الذنوب والمعاصي ﴿ والله يحب المطهرين ﴾ أي المبالغين في الطهارة الظاهرة والباطنة، ثم أشار تعالى إلى فضل مسجد التقوى على مسجد الضرار فقال: ﴿ أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان ﴾ الاستفهام للإنكار والمعنى: هل من أسس بنيانه على تقوى وخوف من الله تعالى وطلب لمرضاته بالطاعة ﴿ خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار ﴾ أي هل ذاك خير أم هذا الذي أسس بنيانه على طرف واد متصدع مشرف على السقوط؟ ﴿ فانهار به في نار جهنم ﴾ أي فسقط به البناء في نار جهنم ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ أي لا يوفق الظالمين إلى السداد، ولا يهديهم سبيل الرشاد، والآية الكريمة على سبيل التشبيه والتمثيل لعمل أهل الإخلاص، والإيمان، وعمل أهل النفاق والضلال، والمعنى هل من أسس بنيان دينه على التقوى والإخلاص كمن أسسه على الباطل والنفاق الذي يشبه طرف الوادي أو الجبل الذي أشفى على السقوط؟ ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم ﴾ أي لا يزال في قلوب أهل مسجد الضرار شك ونفاق، وغيظ وارتياب بسبب هدمه، يحسبون أنهم كانوا في بنائه محسنين، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى ذلك المسجد من هدمه وحرقه وأمر بإلقاء الجيف والنتن والقمامة فيه إهانة لأهله، فلذلك اشتد غيظ المنافقين وحقدهم ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ أي لا يزالون في ارتياب وغيظ إلا أن تتصدع قلوبهم فيموتوا ﴿ والله عليم حكيم ﴾ أي والله سبحانه عليم بأحوال المنافقين، حكيم في تدبيره إياهم ومجازاتهم بسوء نياتهم.