تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.34-45

المناسبة: لما وصف تعالى رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية، وصفهم هنا بالطمع والجشع والحرص على أكل أموال الناس، تحقيرا لشأنهم وتسفيها لأحلامهم، لأنهم اتخذوا الدين مطية لنيل الدنيا، وذلك نهاية الذل والدناءة، ثم ذكر تعالى قبائحهم وقبائح المشركين، ثم دعا إلى النفير العام وذكر موقف المنافقين المثبطين عن الجهاد في سبيل الله.

اللغة: ﴿ الأحبار ﴾ علماء اليهود ﴿ الرهبان ﴾ علماء النصارى قال ابن المبارك:

وهل أفسد الدين إلا الملوك

وأحبار سوء ورهبانها

﴿ يكنزون ﴾ أصل الكنز في اللغة: الجمع والضم ومنه حديث

" ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة "

أي يضمه لنفسه ويجمعه، ثم غلب استعماله على المدفون من الذهب والفضة قال الطبري: الكنز كل شيء مجموع بعضه إلى بعض في بطن الأرض كان أو على ظهرها ﴿ تكوى ﴾ الكي: إلصاق المحمي من الحديد وشبهه بالعضو حتى يتمزق الجلد وفي الأمثال " آخر الدواء لكي " ﴿ النسيء ﴾ التأخير يقال: نسأه وأنسأه إذا أخره ومنه حديث

" وينسأ له في أثره "

أي يؤخر له في أجله قال الزمخشري: النسيء: تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر ﴿ ليواطئوا ﴾ أي ليوافقوا والمواطأة: الموافقة يقال: تواطأ القوم: إذا اتفقوا على أمر خفية ﴿ انفروا ﴾ النفر: الخروج بسرعة ومنه

ولوا على أدبارهم نفورا

[الإسراء: 46] ﴿ اثاقلتم ﴾ أصله تثاقلتم بمعنى تباطأتم ولم تسرعوا ﴿ عرضا ﴾ العرض: ما يعرض للانسان من منافع الدنيا سمي عرضا لأنه لا يدوم وفي الحديث

" الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر "

﴿ الشقة ﴾ المسافة البعيدة التي لا تقطع إلا بمشقة قال الجوهري: الشقة السفر البعيد، وكأنه مأخوذ من المشقة يقال: شقة شاقة.

سبب النزول: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف وغزوة حنين، أمر الناس بالجهاد، لغزو الروم، وذلك في زمن عسرة من البأس، وجدب من البلاد، وشدة من الحر، حين أثمرت النخل، وطابت الثمار، فعظم على الناس غزو الروم، وأحبوا الظلال والمقام في المساكن والمال، وشق عليهم الخروج إلى القتال فأنزل الله ﴿ يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض.. ﴾ الآية.

التفسير: ﴿ يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ﴾ أي يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله إن كثيرا من علماء اليهود " الأحبار " وعلماء النصارى " الرهبان " ﴿ ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ﴾ أي ليأخذون أموال الناس بالحرام، ويمنعونهم عن الدخول في دين الإسلام قال ابن كثير: والمقصود التحذير من علماء السوء، وعباد الضلال قال ابن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان في شبه من النصارى ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ أي يجمعون الأموال ويدخرون الثروات ﴿ ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ أي لا يؤدون زكاتها ولا يبذلون منها في وجوه الخير قال ابن عمر: الكنز ما لم تؤد زكاته، وما أديت زكاته فليس بكنز ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ أسلوب تهكم أي أخبرهم بالعذاب الأليم في دار الجحيم قال الزمخشري: وإنما قرن بين الكانزين وبين اليهود والنصارى تغليظا عليهم ودلالة على أن من يأخذ منهم السحت، ومن لا يعطي من المسلمين من طيب ماله، سواء في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم ﴿ يوم يحمى عليها في نار جهنم ﴾ أي يوم يحمى عليها بالنار المستعرة حتى تصبح حامية كاوية ﴿ فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ﴾ أي تحرق بها الجباه والجنوب والظهور بالكي عليها قال ابن مسعود: والذي لا إله غيره لا يكوى عبد بكنز فيمس دينار دينارا، ولا درهم درهما، ولكن يوسع جلده فيوضع كل دينار ودرهم على حدته، وخصت هذه الأماكن بالكي لأن البخيل يرى الفقير قادما فيقطب جبهته، فإذا جاءه أعرض بجانبه، فإذا طالبه بإحسان ولاه ظهره، قال القرطبي: الكي في الوجه أشهر وأشنع، وفي الظهر والجنب آلم وأوجع، فلذلك خصها بالذكر من بين سائر الأعضاء ﴿ هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ﴾ أي يقال لهم تبكيتا وتقريعا: هذا ما كنزتموه لأنفسكم فذوقوا وبال ما كنتم تكنزونه وفي صحيح مسلم

صفوة التفاسير · الصفحة ٢٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٢٧٤