تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كأنَّ الله سبحانه وتعالى في هذه السورة يتحَدَّثُ عن قيمةٍ كُبْرى من قِيَم الدنيا ، وهي المال ، فالدراهِم كالمراهم ! كذا يُقال، الإنسان بِأُروبا قيمتهُ بِقيمَة دراهمه في البنك ، الناس يقولون : إذا لم يكن معك قِرْش فأنت لا تُساوي قِرْشاً ! قِيَمُ الدنيا هذه يجبُ أنْ تُحَطَّم ! سلْمانُ منا أهل البيت ونِعْم العبدُ صُهَيْب لو لم يخَفِ الله لم يعْصِهِ ، ورُبَّ أشْعَثَ أغْبر ذي طِمْرين، مدْفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبَرَّه ، وأهْلاً بِمَن خَبَّرَني جبريل بِقَدومه ! قال أوَمِثْلي ؟! فقال : نعم يا أخي ، خامِلٌ في الأرض عَلَمٌ في السماء ، لا تنْظر إلى الدَّخْل ، وأنَّك لا تمْلِكُ بيْتاً ، فقد تُوُفِّيَ صلى الله عليه وسلَّم وهو لا يمْلِكُ إلا سبْعَةَ دراهم ، قبل أنْ يأتيهِ النَّزْعُ الأخير قال : ما ظنُّ محمّد بِرَبِّه ، إنْ ماتَ وهو عنده هذه الدراهِم؟ أنْفِقُوها ، الآن تجد الواحد فينا يموت ويتْرك مالاً لا يُعَدّ ! فالإنسان لما يموت تُرَفْرِفُ روحُهُ فوق النَّعْش ، تُخاطبُ أهْله فتقول : يا أهْلي يا ولدي ، لا تلْعَبَنَّ بِكم الدنيا كما لَعِبَتْ بي ، جَمَعْتُ المال مما حلَّ وحرم ، فأنْفَقْتُهُ في حِلِّهِ وفي غير حِلِّهِ فالهناءُ لكم والتَّبِعَةُ علي ، فقال عليه الصلاة والسلام : ما من أحدً إلا وَمَلَكُ الموت يقف في بيْتِهِ خمْس مرات ، فإذا رأى أنَّ العبْد انْقَضى أجَلُهُ وانْقَطَعَ رِزْقُه، ألْقى عليه غَمَّ الموت فَغَشِيَتْهُ سَكَراتُهُ ، فَمِن أهْل البيت الضاربة وجْهَهَا ، ومن أهْل البيت الصارخة بِوَيْلها ، يقول هذا الملك : فيمَ الجَزَع ؟! ومِمَ الفزَع ؟ ما أذْهَبْتُ لِواحِدٍ منكم رِزْقاً ، ولا قَرَّبْتُ له أجَلاً ، وإنَّ لي فيكم لَعَوْدَة والعَوْدة ، حتى لا أُبْقي منكم أحَداً ، فوالدي نفسُ محمد بِيَده لو يرَوْنَ مكانه ويسْمعون كلامه لَذَهِلوا عن مَيِّتِهم ، ولَبَكوا على أنْفسهم ،

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٨٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٨٠١