لم يكن هذا العطاء رداً على عطاء سابق ، كلا ، إنما هو مبادرة وابتداء ، وما لأحد عند هذا المعطي من نعمة تجزى :
(سورة الليل )
إنّ المؤمن في الدنيا تحت المعالجة ، قد يُحمِّله اللهُ أكبرَ عبء ممكن ، حتى يُكسبَه أكبر أجر ممكن ، ويعطيَه أكبر سعادة ممكنة ، لذلك الإمام الغزالي لخَّصها بقوله : " ليس بالإمكان أبدع مما كان " .
وقال بعضهم : " اللهم لا تخفف حملي ولكن قَوِّ ظهري "، فإن خُفِّف حملُك قلَّ أجرُك ، إذًا لم يُخفِّف الحملَ ، ولكنه أعطاك قوة لتحمل هذا الحمل ، والإنسان في الدنيا في فترة معالجة ، ودفع ، وتشويق ، وتطهير ، وتعطير ، لكن في الآخرة فترة سعادة كبرى ، فَسَمَّوا الدنيا دارَ عملٍ ، والآخرةَ دارَ جزاء .
(سورة الليل : الآية 19ـ21)
قال : يا رب هل أنت راض عني ؟ فقال : يا عبدي هل أنت راض عني حتى أرضى عنك ؟ فلا بد من أن ترضى ، إذا رآك يئست أعطاك ، وعطاءُ الله حكيمٌ ، وإذا غلب عليك اليأس طمأنك قليلاً ، وتسترخي وتقعد عن طلب المزيد فيثيرك إلى أن تطلب الأعلى ، والدنيا كلها مُعالَجة ، وأما الآخرة فهي دار نعيم واستمتاع .
ربنا عز وجل يعلم ماذا أعدّ لعباده الصالحين من خيرات لا يحصيها اللسان ؛ جنة عرضها السماوات والأرض ، ونعيم مقيم في جنات وهم مكرمون ، لذلك قال سبحانه :
(سورة الليل : الآية : 21)
فلا بد من أن ترضى رضاء لا يوصف ، أما الآن فأنت في المعالجة .
إذا دخل طالب كليةَ الطب ، والمنهاج كبير ، ولغات أجنبية ، وتشريح ، والدوام ثلاث وأربعون ساعة ، وعملي ونظري ، ومذاكرات ، وأطروحة ، لكن بعد أن يتخرج ، ويكون في العيادة خمسون شخصًا ، وكلُّ شخص معاينته بمائتي ليرة ، خمس آلاف ليرة تقريباً في اليوم.
(سورة الليل : الآية : 21)
أما الآن فهو لا يرضى بمتاعب كثيرة ، هذا مثلٌ واضح ، وللهِ المثلُ الأعلى .