والمعنى الآخر أن هذا العذاب .. إذا شخص بلغه نبأ في منتهى الألم ودعوناه بعد دقيقة للخروج إلى نزهة في بلدة بلودان ، يقول لك : اتركني بهمّي ، لم يحبسه أحد هو الذي حبس نفسه ، من شدة الألم والهم قبع في البيت ، من قيَّد وثاقه ؟ لا أحد هو قيَّد نفسه ، بل ألمه قيَّده..
فيوم القيامة .. من معاني هذه الآية أنَّ شدة الندم وشدّة الألم وشدّة الحرقة تجعل صاحبها يتعذَّب عذاباً ذاتياً فضلاً عن عذاب الله المادّي ، ولا يُنكر عذاب الله المادي إلا كافر ، و لا بدَّ من عذاب جهنَّم ، ولكنَّ عذاب النفس قد يفوق عذاب جهنَّم .
إذا أخذ أحد الطلاب قلماً ليس له ، وادَّعى الذي فقد القلم أنَّه قد فُقد له قلم.. وهذا مثل من واقع الطلاَّب .. وأغلق الباب وفُتِّش الطلاَّب طالباً طالباً ، وهذا الذي أخذ القلم سرقةً له مكانته في الصف ، مرموقٌ من قبل رفاقه ، أُخرج القلم من جيبه ، قبل أن نضربه ، بماذا يُحسُّ هذا الطالب؟ يحسُّ أن الأرض ليتها تنشقُّ وتبلعه ، و يحسّ بقشعريرة ، و بعرق ، و ينصبغ وجهه بالحمرة والخجل ، هذا هو العذاب النفسي ، قبل أن نعذِّبه ، و قبل أن نضربه ، و قبل أن نفصله ، فإنه فقد اعتباره .
و كذلك يوم القيامة عذاب جهنَّم حق ، ولا بدَّ من عذاب النار ، ولكن قد يكون عذاب النفس أشدّ من عذاب النار ..
فيومئذ لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد .
أما هذه النفس التي عرفت ربّها والتي استقامت على أمره في الدنيا ، والتي حسبت لهذا اليوم حسابها ، والتي أعدَّت لهذا اليوم عُدَّتها :
يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية .
( سورة الفجر : آية " 27 ، 28 " )
الله راضٍ عنك وأنت راضيةٌ عن ربّك ، أعطاك فأجزل ، و أكرمك وبالغ في إكرامك :
يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية .
فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي .
( سورة الفجر : آية " 29 ، 30 " )