تماماً كما لو أن أستاذاً كبيراً في الرياضيات ، عنده ضيفٌ كبير، وهو حريصٌ على هدايته حرصاً لا حدود له ، وهو منهمكٌ في المناقشة، دخل ابنه وقال له : يا أبتِ دلَّني على حل هذه المسألة ، فماذا يقول له ؟ الآن اخرج ، أنا لك دائمًا ، وكل وقتي لك ، أمّا الآن فدعني ، دعني وهذا الإنسان ، هذا الذي حصل .
لذلك قال بعض العلماء : إنّ الله عزَّ وجل عتب للنبي ولم يعتب عليه ، وفرقٌ كبير بين أن تعتب له ، وأن تعتب عليه ، فلو دخلت الأم على غرفة ابنها ، فرأته يدرس حتى الساعة الثانية فجراً ، قد تصيح به : إن لجسمك عليك حقاً يا بني ، قم إلى الفراش واسترح قليلاً ، إنها الآن غاضبة ، أفغاضبةٌ له أم عليه ؟ له ، فقال العلماء : إن الله عتب على النبي لأنه حمَّل نفسه فوق طاقته ، لأنه اختار الأصعب ، اختار الإنسان الأصعب ، والأقسى ، والمُعاند ، والكافر ، فالله عزَّ وجل وَصَفه فقال :
هذا وصف ، وليس هذا تقييماً ، أنا أقول لكم : فلان خرج ، أما إذا قلت : بئس ما فعل ، فأنا أُقَيِّد ، فأنا عندئذٍ أقيِّم ، لو أنني قلت : خرج ، أو دخل ، فهذا وصف ، أما إن قلت : بئس ما فعل ، نعم ما فعل صار تقييمًا ، فالله عزَّ وجل قال :
الذي اجتهد فاختار المركب الصعب ، لكن الوحي لفت نظره إلى أن هذا الذي تراه كبيراً، هذا الذي تراه قويّاً ، وتراه مَتْبوعاً ، هذا الذي تعلِّق آمالاً على هدايته ، لعلمِ اللهِ فيه لا تضيِّع وقتك معه .
الإنسان قد يجتهد ، وقد يكتشف خطأ اجتهاده ، قد يجتهد وقد يعلم أن اجتهاده لم يكن في محلّه ، فالنبي عليه الصلاة والسلام لأنه ليس هناك تكليف ، إذاً ليس هناك معصية ، لا معصية مِن دون تكليف ، ولأنه اختار الأصعب فقد عَتِبَ الله له ولم يعتب عليه .