تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكلامه تشريع ، وأفعاله تشريع ، وإقراره تشريع ، ولكن لئلا يختلط مقام النبوة والرسالة مع مقام الألوهية سُمِح للنبي عليه الصلاة والسلام بهامشٍ اجتهادي ضيقٍ جداً ، يجتهد فيه ؛ فإن أصاب أصاب ، وإن اجتهد خلاف الأَوْلى جاء الوحي فصحح له ، ولماذا سُمِحَ له بجانبٍ اجتهادي؟ ليكون هناك فرقٌ بين مقام الإله ومقام النبيّ ، ولئلا يُعْبَد النبي مِن دون الله .

أيها الإخوة ... الحقيقة الأولى هي أنه لا معصية من دون تكليف ، لهذا المسجد أبوابٌ ثلاثة، ليس هناك باب مسموح الخروج منه وباب ممنوع ، لو وُضِعتْ لوحة ممنوع وأخرى مسموح ، وخرج إنسان من الممنوع لكان عاصياً ، فالحقيقة الأولى : لا معصية من دون تكليف.

النبي عليه الصلاة والسلام جاءه أحد زعماء قريش ، والشيء المألوف ، والمعروف ، والطبيعي ، والمنطقي أن هذا إذا أسلم أسلم معه خَلْقٌ كثير ، الناس متبوعون وأتباع ، المتبوعون يتبعون الأعلام دائماً ، فكل إنسان إذا سعى لهداية إنسانٍ متبوعٍ ، فكل أتباعه سوف يقلِّدونه ، فحرْصُ النبي عليه الصلاة والسلام على هداية هذا الإنسان حرصٌ كبير، وهذا موقفٌ طبيعي ، وصحيح ، ومألوف ، ومنطقي ، وواقعي .

بربكم ، لو أن أحداً مِن الإخوة الدعاة خُيِّرَ بين أن يلتقي برجلين ؛ رجلٍ محبٍ ، مستقيمٍ ، تائبٍ ، عابدٍ ، سائحٍ ، ورجلٍ منكرٍ ، معترضٍ ، مُعاندٍ ، أيهما أهون عليك : أن تلتقي مع محبٍ ، مع خاضعٍ ، مع مؤمنٍ مستسلمٍ ، أم مع منكرٍ ، معاندٍ ، فظٍ غليظ ؟ الأهون أن تلتقي مع إنسان مؤمن ، والجلسة عندئذ مُرِيحة جداً .

والنبي اجتهد لا لراحته ، ولا لصالحه ، ولكن لصالح الدعوة ، فاختار الأصعب ، واختار الأقوى ، واختار الأشد ، اختار الإنسان المتعِب ، فكان مهتماً بهذا الإنسان ، فجاءه أحد أصحابه الكرام ، ابن أم كتوم ، وكان كفيف البصر ، وقال : يا محمد يا محمد ، والنبي عليه الصلاة والسلام انزعج منه ، وأعرض عنه ، وتغيَّر لون وجهه .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٠٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٠٧٠