كما قلت قبل قليل الإيمان بالله واليوم الآخر يتلازمان في أكثر سور القرآن ، الإيمان باليوم الآخر أن تؤمن أن هناك حياة أبدية سرمدية هي الحياة الحقيقية وهي الحياة التي خلقت من أجلها ، لذلك إذا آمنت باليوم الآخر تجعل هذه الحياة الدنيا مدرسة للآخرة ، حياة إعدادية لمدرسة عليا أبدية فلذلك التناقض من أين يأتي ؟ يأتي التناقض والهم والحزن من اعتبار الحياة الدنيا هي الحياة الأساسية ، لذلك النقص مزعج، نقص المواد وارتفاع الأسعار ونقص شيء في الصحة ، وعدم التوفيق في زواجه وفي عمله ،هذه الهموم يراها كبيرة ساحقة لأن آماله كلها في الدنيا ، لو أنه نقل أهدافه وآماله واهتماماته إلى الآخرة ، كل شيء في الدنيا يرضيه لأن الحياة مؤقتة : عش في الدنيا كأنك مسافر ، عندما يسكن الإنسان في بيت شهرًا واحدًا بمصيف ، يكون فيه أخطاء كثيرة جدا ونواقص كثيرة جدا لايعبأ بها أبدا ، هو جاء استجماما فأي شيء فيه نقص أو خلل أو خطأ يتجاوزه لو أردت أن تعيش الدنيا كما تعيش شهرًا في مصيف تحل كل المشكلات ، لأن الحياة مؤقتة والشيء الذي يلفت النظر أن الإنسان أحيانا يهيء بيتًا لا يسكنه ، وينال شهادة لايستفيد منها فالمنايا بالمرصاد ،لايجد إنسان لديه ضمانة أن يعيش بعد ساعة وكل إنسان يموت لديه أمل يعيش عشرين سنة قادمة ، فالموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل والدنيا ساعة فاجعلها طاعة والنفس طماعة عودها القناعة ، أي لابد من نقل الإهتمامات لليوم الآخر ، ولابد من الإيمان باليوم الآخر إيمان حقيقي ، أن تجعل هذا اليوم محط الرحال ونهاية الآمال ، لذلك الدنيا مقبولة في أي وضع . النبي قال : إخشوشنوا فإن النعم لاتدوم . لكن تلاحظ إنسانا يجد الحياة الدنيا أكبر همه ، ولذلك فأي نقص في المواد أو بالدخل يخرجه من جلده ،تجده ناقما دائما كثير الشكاية يرى أن المال كل شيء والطعام الطيب كل شيء والبيت الواسع كل شيء ، الزوجة ، النزهة ، هذا مبلغه من العلم
تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٣٦٨٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير محمد راتب النابلسيص ٣٦٨٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي