أول شيء يجذب النظر أن في هذه الآية تشريعاً دقيقاً ، ما من تشريع وضعي يصل إلى حركة الإنسان في بيته ، فالإسلام نظام كامل فيه أحكام السلم وأحكام الحرب ، وفيه نظام المعاهدات ، وفيه أحكام دار الإسلام وأحكام دار الأمان ، ودار الحرب ، ونظام كسب المال ، وإنفاق المال ، ونظام الأسرة ، وعلاقات اجتماعية ، وأنواع منوعة من الأوامر والنواهي ، أما أن يصل هذا النظام الدقيق إلى أخص خصوصيات الإنسان، وأن يدخل هذا النظام الدقيق إلى بيته لينظم حركة الزوج والزوجة والأولاد بين غرف البيت ، فهذا نظام من أدق الأنظمة ومن أشدها شمولاً وموافاةً لاحتياجات الإنسان ، إنه شيء عجيب أن يصل الأمر إلى آداب استئذان الأولاد على آبائهم وأمهاتهم ، ولكن لا عجب فهذه الآية ختمت بقوله تعالى " والله عليم حكيم عليم " بكم، وبخصائصكم ، وبما بصلحكم ، ويرقى بكم ، ويسمو . إنه حكيم في تشريعه ، ولعكم تذكرون أن في هذه السورة موضوعات عديدة ، من هذه الموضوعات : أحكام الزنى وكيف بدأت بقوله تعالى:
الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة
(سورة النور: الآية2)
وكيف تنقلت هذه الآيات من موضوع الزنى إلى موضوع رمي المحصنات ، وعلى رمي المحصنات إلى إقامة الحد على الزنى ، إلى حديث الإفك كتطبيق عملي ، وإلى التدابير الاحترازية التي تمنع من الزنى ، وإلى آداب الاستئذان ، ومن آداب غض البصر ، ومن أحكام إبداء الزينة ، والآن ونحن في البيوت فيما بين الزوج وزوجته ، وفيما بين الأولاد وآبائهم وأمهاتهم تأتي أحكام دقيقة لتبين أن هذا التشريع من عند خالق الإنسان . فالله سبحانه وتعالى يقول :
يا أيها الذين آمنوا
(سورة النور: الآية19)