من أجل أن يمكن الله بهم دينه ، فإذا مكن الله بهم دينه كانت الطمأنينة محل الخوف ، ففي هذه الآيات الاستخلاف يتسع ويتسع فيشمل الأمة ، ويضيق و يضيق فيشمل الأسرة ، وكل واحد منا مستخلف ، فالمعلم في صفه مستخلف ، وهؤلاء أطفال وضعهم الله بين يديك ، فما معنى أنك مستخلف ؟ أيْ : أن الله جعلك نائبا عنه في معاملتهم ، هل تضربهم أم ترحمهم إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي فالإنسان في عمله مستخلف في غير بيته الآن . أنت معلم جعلك الله خليفته على هؤلاء الصغار ، وأنت طبيب جعلك الله خليفته على هؤلاء المرضى ، وأنت موظف جعلك الله خليفته على هؤلاء المراجعين ، فهل تنصف بينهم ؟ وهل ترحمهم أم تضع العراقيل في وجوههم ، فالاستخلاف شيء مخيف جدا كل إنسان في عمله مستخلف يعني ممتحن. فإذا كان يملك قوة في عمله كرئيس دائرة عنده خمسة موظفين ، وبإمكانه أن يؤذي واحداً منهم بإمكانه ، وأن ينفع واحداً فهو مبتلى إن لم يعدل بينهم ، ومستخلف إن عدل بينهم ، فصار الاستخلاف ليس معناه أن تكون قويا ، بل أن تستخدم هذه القوة في إحقاق الحق ، وفي تمكين دين الله ، وفي إقامة الصلاة ، وأداء الزكاة ، وفي رفع الإنسان إلى المستوى الرفيع الذي خلق من أجله. هذا هو الاستخلاف ، فالإنسان لا يظن نفسه معفى من الاستخلاف ؛ فالأب مستخلف ، والابن مستخلف مع أخوته الصغار ، فقد يموت الأب ويُخلّف خمسة أولاد أحدهم كبير فهذا الكبير مستخلف ، فهل يأخذ المال كله له ؟ أم يعطي أخوته بالعدل والدقة ؟ وهل يقسو عليهم أم يرحمهم ؟ فالأخ مستخلف والموظف مستخلف والطبيب مستخلف والمحامي مستخلف مع موكليه ، والمعلم مستخلف والمهندس مستخلف ، فهذا البناء هل أعطيته حقه ؟و هل أنصفت ؟ فالقوة إن لم ترافقها الحكمة والرحمة والعدل تصبح بلاء وليست استخلافاً ..
تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٣٤٢٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير محمد راتب النابلسيص ٣٤٢٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي