لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم هذا لا هو ولا قومه كما صرح به في
سورة هود بعد تفصيل قصة نوح مع قومه بقوله: {تلك من أنباء الغيب نوحيها
إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين} (هود:
49) وكما قال في آخر سورة يوسف بعد سرد قصته مع إخوته: {ذلك من أنباء
الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون} (يوسف:
102) وختمت هذه السورة (أي سورة مريم) بإبطال الشرك وإثبات التوحيد.
ونفي اتخاذ الله تعالى للولد، وتقرير عقيدة البعث والجزاء، فهي بمعنى سائر
السور التي كانت تتلى للدعوة ويقصد بها إثبات التوحيد والبعث ورسالة خاتم
النبيين وصدق كتابه الحكيم.
وأما سورة العنكبوت وسورة الروم، فكل منهما قد افتتحت بعد (الم) بذكر
أمر من أهم الأمور المتعلقة بالدعوة، فالأولى الفتنة في الدين وهي إيذاء الأقوياء
للضعفاء واضطهادهم؛ لأجل إرجاعهم عن دينهم بالقوة القاهرة. كان مشركو
قريش يظنون أنهم يطفئون نور الإسلام ويبطلون دعوته بفتنتهم للسابقين إليه،
وأكثرهم من الضعفاء الذين لا ناصر لهم من الأقوياء بحمية نسب ولا ولاء. وكان
المضطهدون من المؤمنين يجهلون حكمة الله بظهور أعدائه عليهم فبين الله في فاتحة
هذه السورة أن الفتنة في الدين من سننه تعالى في نظام الاجتماع يمتاز بها
الصادقون من الكاذبين؛ ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، وتكون العاقبة
للمتقين الصابرين. فكانت السورة جديرة بأن تفتتح بالحروف المنبهة لما بعدها.
والأمر الثاني الذي افتتحت به سورة الروم هو الإنباء بأمر وقع في عهد النبي
صلى الله عليه وسلم ولما يكن وصل خبره إلى قومه وبما سيعقبه مما هو في ضمير
الغيب، ذلك أن دولة فارس غلبت دولة الروم في القتال الذي قد طال أمره بينهما
فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك، وبأن الأمر سيدول وتغلب الروم
الفرس في مدى بضع سنين، وبأن الله تعالى ينصر في ذلك اليوم المؤمنين على
المشركين، وقد صدق الخبر وتم الوعد، فكان كل منهما معجزة من أظهر معجزات
القرآن، والآيات المثبتة لرسالة محمد عليه الصلاة والسلام. ولو فات من تلاها
عليهم النبي صلى الله عليه وسلم كلمة من أولها لما فهموا مما بعدها شيئا، فكانت
جديرة بأن تبدأ بهذه الحروف المسترعية للأسماع المنبهة للأذهان، وكان هذا بعد
انتشار الإسلام بعض الانتشار، وتصدي رؤساء قريش لمنع الرسول صلى الله
عليه وسلم من الدعوة وتلاوة القرآن على الناس، ولا سيما في موسم الحج. وكان
السفهاء يلغطون إذا قرأ ويصخبون {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن
والغوا فيه لعلكم تغلبون} (فصلت: 26) وأما سورة (ن) ففاتحتها وخاتمتها في
بيان تعظيم شأن الرسول صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم ودفع شبهة الجنون
عنه إلخ.
وقد بينت بعد ما ذكر حكمة هذا التنبيه الذي كان من إصلاح القرآن في
أساليب اللغة العربية، وكونه مما يقتضيه علم النفس، وبلاغة القول، وتأثير
الخطاب، فيراجع في التفسير فإنه مهم جدا.
(نصيحة) قد علمت أيها المسلم القارئ لهذه المقدمة، وهذا الكتاب أن
الدكتور طه حسين تكلم في القرآن بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ولا
بإخلاص في النقد التحليلي، الذي يعلو القرآن على مدارك أهله وعقولهم وعلمهم
باللغة والدين والتشريع، وإذ كان القرآن أصل الدين فلا ينبغي للمسلم أن يأخذ علم
بلاغته وآدابه، ولا علم هدايته وتشريعه، إلا عن خواص العلماء بتفسيره، ويجب
أن يرجع إليهم فيما عسى أن يقرأه أو يسمعه لغيرهم من نقد أو طعن أو رأي فيه
يخفى عليه.
أما دعاية التجديد التي يبثها الملاحدة الإباحيون بعضهم لبعض ويخدعون بها
التلاميذ الأغرار، والمفتونين بتقليد الإفرنج فيما يسهل عليهم من طرز (بضمتين
جمع طراز) الزينة والشهوات، فليخبرونا أي شيء جديد جاءوا به مما يرقي الأمة