(أم البراهين) وهو أن التوحيد الذي هو أس الإسلام عبارة عن نفي الكموم الخمسة:
الكم المتصل، والكم المنفصل في ذات واجب الوجود عز وجل، والكم المتصل،
والكم المنفصل في صفاته تعالى، والكم المنفصل في أفعاله؛ إذ ليس فيها كم
متصل كما قالوا.
إن هذه الكموم الخمسة فلسفة كلامية ما أنزل الله بها في كتابه من سلطان،
ولا وردت في شيء من بيان رسوله صلى الله عليه وسلم للكتاب، ولا في آثار
أصحابه نقلة سنته، ولا في كتب أئمة السلف الصالح ومنهم الفقهاء الأربعة وإنها
لتكاد تضاهي الأقانيم الثلاثة في الخفاء، وإن من يفهم معناها الذي فسروها به لا
يفهم منها حقيقة التوحيد الذي حكاه الله تعالى عن خاتم النبيين وعمن قبله من إخوانه
المرسلين، ولا ما فهمه مشركو العرب من كلمة (لا إله إلا الله) وإنني لما لقنتها
في المدرسة في طرابلس الشام حاولت أن أفهمها للعوام، فعجزت بل كدت أن أفسد
عليهم عقيدتهم، حتى قال لي بعضهم: إنه لم يستطع أن ينام الليل الذي سمع في
أوله الدرس، وخاف أن يموت وهو لا يفهم معنى التوحيد.
عندما قلت هذا وضع كفه الأستاذ الأكبر شيخ الأزهر على يدي وكان جالسا
بجانبي وقال: إن هذه الاصطلاحات الكلامية وكتبها قد وضعت لأمثالكم من
الخواص لا للعوام.
فقلت: اسمعوا أيها السادة ما يقول مولانا الأستاذ، يقول: إن هذه الكتب
الكلامية وضعت للخواص لا للعوام، فأين الكتب التي وضعت للعوام وهم أكثر
الناس؟
إن علم الكلام علم مبتدع، أنكره عند ظهوره أئمة الإسلام حتى إن الإمام
الشافعي رحمه الله تعالى هجر حفصا الفرد؛ لأنه ألف كتابا فيه، وقد بين الإمام أبو
حامد الغزالي ما استقر رأي العلماء فيه فقال ما خلاصته أنه ليس من علوم الدين
وإنما احتيج إليه لأجل حماية العقيدة من شبهات الفلاسفة والمبتدعة، فهو كالبذرقة
للحاج يعني الحرس، فاتخاذ البذرقة ليس من أركان الحج ولا واجباته ولا سننه،
ولا من شروط الإحرام، وإنما احتيج إليها لوجود اللصوص وقطاع الطريق الذين
يعتدون على أموال الحاج وأنفسهم.
فإذا كان الأمر كذلك، فعلم الكلام تختلف الحاجة إليه باختلاف شبهات
الخصوم، وقد تجدد في عصرنا هذا شبهات على الدين غير شبهات الفلسفة
اليونانية التي ألف علماء الكلام الأولون الكتب لدحضها، فيجب على خواص
العلماء الذين يتصدون لدفع شبهات هذا العصر أن يعرفوا العلوم التي نجمت منها،
ويردوها بالأدلة العلمية الرائجة عند أهلها، لا أن يتعبوا أنفسهم ويضيعوا أزمنتهم
في دراسة الفلسفة القديمة في كتب فنية دقيقة كشرح المواقف، وشرح العقائد
النفسية وحواشيهما، وقد كفتهم العلوم والفلسفة الجديدة مؤنة التعب فيها بما يشبه
التعبد بها، ثم إننا نرى مزاوليها لا يستفيدون منها العلم بحقيقة التوحيد ولا حقيقة
الشرك، ولا يعنون بالنهي عما ابتدع الجاهلون من الشرك، بل منهم من يتأول
لأهله خرافتهم الشركية.
إننا نرى هذه الخرافات الشركية الوثنية فاشية في الناس؛ لأن أكثرهم لا
يتلقون عقائد الدين إلا من أمهاتهم وآبائهم ومعاشريهم، حتى لا يكاد يوجد في
الألوف الكثيرة منهم أحد من ذكر أو أنثى تلقى عقيدته من كتاب الله وكتب السنة
الصحيحة، أو من تآليف العلماء على ما ذكرنا من تعقيدها، فتراهم رجالا ونساء
وأطفالا يشدون رحالهم إلى قبور اشتهرت بأسماء بعض الصالحين المعروفين أو
المجهولين يحملون إليها القرابين والنذور للتقرب إليها، ويتضرعون بالدعاء لمن
دفن فيها بطلب الشفاء لمرضاهم والانتقام من أعدائهم وغير ذلك من مآربهم. وكل
ذلك من العبادات، وهم في حلهم وترحالهم إليهم يتركون الصلوات، ويرتكبون
كثيرا من المنكرات.
ونرى بعض المعلمين إذا حضروا دروس السنوسية والجوهرة يتأولون لهم
دعاءهم واستغاثتهم لغير الله وطوافهم بالقبور ونذروهم وقرابينهم لها، بأنهم يعتقدون