تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مقدمة ترجمته للقرآن الكريم بعد ذكره لأنبياء بني إسرائيل فقال: فتحدث فيه (أي

الفكرة الدينية) كما كانت تحدث فيهم ذلك الإلهام النفسي.

فهذا أقصى ما وصلت إليه أفكار فلاسفة الغرب في الوحي الإلهي، لذلك قام

علامة الإسلام السيد الإمام محمد رشيد رضا صاحب المنار الأغر، فكشف اللثام

عن حقيقة الوحي وماهيته وكيفيته، وأبطل مزاعمهم ورد شبهاتهم بأدلة عقلية

وبراهين حسية مفسرا قوله تعالى: ﴿أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم﴾ (يونس: 2)

كتاب لم ينسج على منواله، ولم يسبق المؤلف لمثله، فهو كتاب لا يستغني

عنه المسلم ولا غير المسلم، فالمسلم يعلم كيف يقيم الحجة على صحة دينه، ونبوة

نبيه وكتاب ربه، وغير المسلمين يرون الفرق واضحا بين الوحي السماوي والإلهام

النفسي، فجزى الله السيد المؤلف خيرا، وأدامه للمسلمين ذخرا، آمين.

دمشق ... محمد مسلم الغنيمي الميداني

-4-

للطبيب النطاسي والعالم العصري الدكتور سعد عيد عرابي

لقد تقهقر البشر في هذا العصر في الأخلاق والآداب، ومحقت الفضيلة،

وحلت مكانها الرذيلة، التي انحطت به إلى أقصى درجات البهيمية، وما ذلك إلا

لأن تقدم الحضارة والعلوم الكونية كان ماديا، وكان البشر آليا متجردا عن الروح

في كل حركاته وسكناته، ومتى سلب الشيء روحه كان باهتا لا لذة فيه ولا طعم،

هذا ما دعاهم أن يسرفوا في ألوان الرذائل وأشكالها علهم يجدون بها متعة جديدة

تنسيهم آلام هذه الحياة، وهذه الحضارة الزائفة، وما كان ذلك إلا ليزيدهم شقاء

وبلاء.

لئن فكر بعض عقلاء أوربا وغيرهم في اللجوء إلى الدين، وبأنه العلاج

الوحيد لأدواء هذه الحضارة، وتمنوا لو يبعث في الشرق أو في الغرب نبي جديد

يصلح بهدايته فسادها، فقد نادى منادي (الوحي المحمدي) بأن حي على الفلاح ها

إن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وها إن الإسلام دين البشرية والسلام

كفيل إن اتبعتموه أن يهديكم صراطا مستقيما، وأبان فضائل الدين الإسلامي ومزاياه

على ما جاء في الأديان الأخرى، وما حواه من التشريع الديني والمدني، وأماط

اللثام عن الحجب التي بين الإفرنج وحقيقة الإسلام وعددها: فمن عداوة الكنيسة

وتداعياتها المشوهة الباطلة، إلى كذب رجال السياسة وطمعهم في استعباد الشعوب

شعوب الإسلام إلى سوء حال هؤلاء في القرون الأخيرة وجهلهم حقيقة دينهم وأمور

دنياهم.

مع أن الغاية الأساسية لهذا الكتاب دحض مزاعم درمنغام وغيره من الإفرنج

الذين يدعون أن الوحي المحمدي وحي نفسي لا إلهي، ومع أنه أفاض في

الموضوع، وأيد بالبراهين العقلية والأدلة القطعية وبمعجزة القرآن المجيد فساد

مزعمهم هذا، وأن الوحي المحمدي أثبت وأكمل وأعم من كل وحي جاء قبله فقد

جاء هذا الكتاب من مقدمته إلى خاتمته جامعا شاملا لم يترك شاردة أو واردة تعلي

كلمة الله تعالى وتنصر الحق المبين إلا وذكرها، كما وأن هذا السفر النفيس يروي

غليل من كان للحقيقة من المستطلعين، فقد عرف النبوة وأبان الفوارق بين

المعجزات والكرامات، وشرح مقاصد القرآن المجيد شرحا دقيقا: من دينية

واجتماعية وسياسية ومالية (وأستأذن أن أذكره بالقواعد الصحية وهي كثيرة)

والخلاصة أن هذا الكتاب قد جمع شمل ما في الإسلام من حكم، وقد وفى

الموضوع حقه، بأن قدمه للجمعيات الإسلامية في العالم داعيا رجالاتها إلى ترجمته

إلى لغاتهم لتكون فائدته أعم، وقد دعا في خاتمته شعوب المدنية إلى الإسلام، دين

الإنسانية والسلام؛ لإنقاذ البشر من هذا الشقاء العام.

ومن جمل ما قال لهم في دعوته هذه: (قد بينا لكم أيها العلماء الأحرار

بطلان ما اخترعته عقول المنكرين لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم من العلل

والآراء لجعل ما جاء به من العلم الإلهي الأعلى، والتشريع المدني الأسمى،

والحكمة الأدبية المثلى، نابعا من استعداده الشخصي، وما اقتبسه من بيئته ومن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢٧٤