الواقع بأعظم دافع.
فلم نجد بدا من الدخول في ميادين الرد بقصد بيان الحقيقة وتنوير الأذهان لأنا
رأينا صدى تلك النشريات المفتراة أثرت على نفوس ذوي الغيرة حتى كان منهم
الناصح، ومنهم المتوجع، ومنهم المستغرب ظنا بأن تلك النشريات مع تكررها
وطول الأخذ والرد فيها لها نصيب من الصحة، وأقل من هذا كاف في إلجائنا إلى
الخروج من الخطة التي ألفناها واعتادها القراء منا.
لقد عجب واستغرب جدا كل سكان جزيرة العرب سواء كانوا في اليمن أو في
الحجاز أو في نجد ما يشيعه خدمة الدرهم والدينار، وما يشوهون به وجه الحقيقة
الذي هو أجلى من شمس النهار، وما يخلقونه من زعم توتر العلاقات بين حضرة
مولانا الإمام أيده الله وبين حضرة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود،
وأن في أنحاء الجزيرة ما يعد من مقدمات الحرب، والتأهب من الطرفين لاقتحام
مجال الطعن والضرب، وتصوير ما انطوت عليه تلك النفوس الشريرة من أن في
البين موقف عدوان، أو موقف دفاع ونسبة الرغبة في تحرج الحالة التي توهموها
واختلقوها إلى جلالة مولانا الإمام مد الله في عمره، ونسبة حضرة سمو المولى
العلامة سيف الإسلام أحمد بن أمير المؤمنين حفظه الله إلى أنه ذو تشوق لإضرام
نار الحرب بين الطرفين، كأنه من أعتام الأعلاج، أو من ذوي الزيغ والاعوجاج.
كل هذا محض الافتراء، وقد خاب من افترى، فلا توتر علاقات، ولا
احتشاد، ولا تأهب ولا غير ذلك مما هذى به المهوسون خدمة لأعداء الإسلام
وترويجا لبضاعة تخذيلهم، فلم يحدث بين حضرة مولانا الإمام وبين حضرة الملك
عبد العزيز بن سعود ما يقدح زند العدوان، ولا ما يثير عجاجة تكهن هؤلاء الكهان،
ولم يجر سوى ما استمر من الجميل، وحسن الرعاية من الجانبين، والمراجعات
الودية بين الطرفين مستمرة، والأحوال كما هي عليه مستقرة.
وأنى يكون من مثل جلالة مولانا الإمام أيده الله سعي فيما يخالف صالح
المسلمين وهو -والمنة لله- أولى الناس برعاية الإسلام والمسلمين، وإقامة شريعة
سيد المرسلين، وهل يقبل ذو العقل السديد والرأي الرشيد أن يكون من جلالة
مولانا الإمام في الحال الحاضر ميل إلى إثارة فتنة تخالف صالح الإسلام والمسلمين،
وهو الذي لم يزل دوي الصراخ من أفراد شعبه يتردد في كل آن في مقامه
الشريف الإمامي بطلب الإنصاف في شهداء تنومة الذين يربو عددهم على ثلاثة
آلاف شهيد قتلوا ظلما وهم عزل من السلاح، آمين بيت الله الحرام لأداء فريضة
الحج وركن الإسلام، وفيهم العلماء والفضلاء والأشراف فلم يكن من جلالته غير
إرشادهم إلى الصبر والترويح عليهم بالوعود الجميلة؛ لأن المصلحة العامة اقتضت
في رأي جلالته أن لا يكون الإلحاح على حضرة الملك عبد العزيز في إنجاز حكمه
في شأنهم بعد أن حكمه مولانا الإمام عقيب الواقعة، وأجاب بكل إنصاف، ومرت
على ذلك طوال الأعوام والسنين.
وهو الذي رأى بعينه كيف تطورت الأحوال في قطعتي عسير وما إليها
والمخلاف السليماني، وكيف كان فصلها عن أمها اليمن، وهي منها جغرافية،
وسكانها من أهل اليمن نسبا، ولم يقابل ذلك بغير المراجعة الودية، والصبر
الجميل.
وهو الذي سعى السعي الكامل للإصلاح في الفتنة التي نشبت بين السيد حسن
الإدريسي وبين حضرة الملك عبد العزيز فلم يقل: فرصة سانحة أو جاءت لما
عندي مزاجا، وهو الذي له المواقف الحميدة، في كل حادث وقع بين متجاورين
من قبل أن تعرف جزيرة العرب ما ولد لها من الوضعيات، وما تكيف لها من
التطورات.
أفمن كان هذا ماضيه وحاله يصح في مدارك العقول السلمية أن يكون مريدا
لتأجيج نار الهيجاء يا ذوي الحجى، وهل يصح أن ينسب إليه أنه ممن يبذر البوس
لتشتعل نيران حرب البسوس؟ كلا ثم ألف كلا، ولكن هنالك أصابع خفية،
وأهواء ردية، ونفوس شريرة، أرادت أن تنتزع من العدم اختلافا، ومن صلاح