تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كالحيتان فمن الذي رد عليهم.

الظاهر لنا أن الإسلام الذي عبأ هذه الصفوف ورصها للدفاع عنه هو إسلامه

الذي بينه في كتابه (الإسلام دين عام خالد) بعد أن بينه في دائرة معارفه، وهو

غير الإسلام الذي يعرفه علماء المسلمين في الأزهر وملحقاته من المعاهد الدينية

وفي سائر بلاد الإسلام، وإنما هو إسلام يقرر بأنه لا وجود له في الخارج، وأنه

يستحيل عقلا أن يوجد إلا بعد أن يرتد جميع مسلمي الأرض عن إسلامهم ويصير

الباقون على عقائده وتقاليده كالذين ألحدوا وارتدوا عنه في كفرهم ومروقهم فبعد ذلك

يقبلون أصول دين القرآن التي هي الإسلام وحدها في رأيه.

فعلى هذا لا يمكن أن يكون جمع القوى ورص الصفوف للدفاع عن دين

المسلمين المعروف أو الموجود؛ لأنه في رأيه باطل يجب زواله والانملاس منه

كما فعل نصفهم إلا أن يكفر الجميع ويتخلصوا من جميع علاقات الإسلام القديم.

وسأنقل عبارته في هذا الموضوع بحروفها [3] .

وإنما ذكرت هذا لأبين له أن الخلاف بيننا وبينه في حقيقة الإسلام وحقيقة

شريعته، فالمناظرة في بعض الفروع التي أنكرناها عليه بالإجمال وبناؤها على ما

طالبنا هو به من نقل نصوصها وحصر البحث فيها مناظرة عقيمة يطول أمرها

بغير طائل؛ لأنه يستطيع أن يجادلنا فيها عدة أشهر كمجادلة الأحزاب السياسية في

مبادئها ونصر زعمائها، فقد رأينا منهم من كتبوا مقالات في الزعيم المصري

الكبير الشهير هبطوا به فيها إلى أسفل سافلين، ثم كتبوا فيه مقالات أخرى رفعوه

بها إلى أعلى عليين.

فيجب إذا تحديد المسائل التي ننكرها من آراء فريد أفندي وجدي في أصول

الإسلام وحقيقته، ثم أن نرجع إليها بعض الفروع المبنية عليها، مثال ذلك أنه كتب

مقالات كثيرة في الدفاع عن حكومة الجمهورية التركية فيما فعلته موافقا لشرطه في

إمكان وجود الإسلام الذي يفقده، وهو مروقها وارتدادها عن الإسلام الذي كان هو

الدين الرسمي للدولة، واستبدالها بالشريعة الإسلامية قوانين أوربة إلخ.

فالذي يحل النزاع بيننا وبينه بل بين المسلمين وبين كل من يدافع عن هذه

الحكومة هو أن يصرح لنا فريد أفندي وجدي بحكم دين الإسلام الحق عليها هل هي

مارقة منه مرتدة عنه أم لا؟ وهل هي مصيبة في هذه الردة والكفر بحسب رأيه في

شرط إمكان الرجوع إلي الإسلام الحقيقي الذي يفهمه هو؟ أم هي ضالة عنه مضلة

لمن يتبعها في ردتها؟

ولا يقنعنا في جوابه عن دفاعه عنها أنه قال في بعض جداله للمعترضين عليه:

(إن الحكومة التركية في حالة ثورة كالثورة الفرنسية لا تخلو من إفراط وتفريط)

فهذه المسألة ليست محل نزاع في جملتها، ولا في كل عمل من أعمالها السياسية

والعسكرية والإدارية والاقتصادية، ولا في فرع واحد من فروعها الدينية كترجمة

القرآن وتحريم قراءته بالنص الذي نزل من عند الله، بل النزاع في الأصل الديني

العام، وهو الارتداد عن الإسلام.

وأضرب مثلا آخر للمناظرة أو المجادلة في المسائل الفرعية، وهو ما أجاب

به عن إنكاري عليه الاستدلال على دعاويه في أصول الإسلام بالأحاديث التي تصح

لها رواية في كتب السنة أو ما حكمت عليه هذه الكتب بالضعف والإنكار أو الوضع

أي الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فريد أفندي وجدي يكثر من الاحتجاج بهذه الأحاديث في مسائل تتعلق بأصول

الإسلام، وقد وجد في عبارتي الأخيرة التي أنشأ يرد عليها حديثين منها، أكثر من

ذكرهما في مقالاته الأخيرة وهما جملة (الدين العقل ... ) وجملة (الدين المعاملة) .

فأجاب عن الأول دون الثاني من ثلاثة وجوه: (أحدها) أنه نقله من

المؤلفات المتداولة في أيدي المسلمين. (والثاني) أنه إن لم يصح فإن القرآن يؤيد

معناه (والثالث) أن أئمتنا قالوا: (إنه لا بأس من رواية الأحاديث (كذا) وإن

كانت ضعيفة إن وافقت ما نص عليه الكتاب من كل وجه) .

وهذه الوجوه حجة عليه لا له، وبيانه من وجوه (1) إن الكتب المتداولة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢١٥