تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(1) أما حكم الدين في مسألته، فإنما يعرف ببيان حقيقتها وهي: رجل

مسلم يشهد أن لا إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن القرآن كلام الله، عرضت

له شبهة علمية فنية اعتقد بها تعدد الآلهة أو الأرباب في الكون على الوجه الذي

تقدم تلخيصه، ويرى أن اعتقاده هذا لا ينافي إسلامه، ولا يكذب نصا من كلام الله

ولا من كلام رسوله، بل هو يتأول بعض آيات القرآن ويراها دالة عليه، فما حكم

الإسلام فيه؟

الجواب: أن القول بتعدد الآلهة والأرباب المدبرة لأمور الأحياء في الكون

نقض للتوحيد الثابت بنصوص الكتاب والسنة القطعية عليها المعلومة من الدين

بالضرورة، وأن الشبهة العلمية الفنية التي عرضت لقائله تنافي كونه جاحدا معاندا،

وكونه مكذبا بالله ولرسوله بالتعمد، فهو متأول فيما هو كفر قطعي، فلا يحكم

عليه بالارتداد عن الإسلام إلا بعد دحض شبهته، وإقامة الحجة عليه بالتوحيد

الخالص، وهذا أمر يسير غير عسير، فإذا رجع عنها - وهو المرجو - كان

إسلامه صحيحا، وإن أصر عليها - وهو مستبعد - كان مرتدا تجري عليه أحكام

المسلمين، وسأبين بطلان شبهته هذه.

(2) وأما الواجب على مشيخة الأزهر فهو أن تبادر إلى تفنيد أمثال هذه

الشبهات، وإثبات الحق للجاهل المتأول بالبراهين والبينات، فالتأول من موانع

تكفير الشخص المعين، ومجاله في زماننا أوسع؛ لأن ما كان معلوما بالضرورة

من قبل لم يعد معلوما فيه، وقد تأكد هذا الواجب على رئيسها الأستاذ الأكبر في

هذه النازلة بعرض الحكومة كتاب (حيوية الأرض) عليه، وزاده تأكيدا ما كتبه

إليه مؤلفه من استعداده ورغبته في البحث معه فيه، ووعده باتباع الحق إذا تبين له

، وإنما تقوم الحجة عليه بتبين الحق له كما قال الله عز وجل: {ومن يشاقق

الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله

جهنم وساءت مصيرا} (النساء: 115)

وقد علم من مقال الرجل أن شيخ الأزهر لم يبال بكتابه، ولم يطلبه إلى

رحابه، ولا ندري ما عذره في نظر المسلمين وما يكون عذره عند ربه، ولا سيما

إذا كان حكم عليه بالكفر كما يفهم من مقاله، وما أظن أن يتجرأ على هذا التكفير

على إطلاقه، وهو يسكت على ما هو شر منه، على أنه لا يجوز السكوت عنه،

فليت إدارة الأهرام تستخرج لنا قرار المشيخة الرسمي فيه بنصه، فإنها أقدر من

غيرها على هذا الاستخراج كما علم بالتجارب.

(3) وأما الفرق بين هذه المسألة ومسألة الأستاذ فريد أفندي وجدي فهو بعيد

مما ذكره مؤلف كتاب (حيوية الأرض) ومما فهمه خطأ من المقالات التي نشرتها

جريدة الأهرام في مسألة المحكم والمتشابه من الآيات.

كان أول ما تصدى له شيخ الإسلام مصطفى صبري أفندي من الرد على

محمد فريد وجدي أفندي هو دفاعه عن حكومة الجمهورية التركية إذ أعلنت رسميا

مروقها من الإسلام واختيارها اللادينية (لا ييك) عليه، وتفضيل القوانين الأوربية

على شريعته، وإجبار شعبها على ترك التعبد وتلاوة القرآن باللغة العربية وترجمته

باللغة التركية وكتابة ترجمته بالحروف اللاتينية إلخ؛ ليقرءوا هذه الترجمة دون

القرآن العربي المنزل من السماء كسائر أذكار الصلاة إلخ، ففريد أفندي وجدي عد

هذا من التجديد العصري الذي اقتضاه ارتقاء الشعب التركي فأصبح لا يليق به

التشريع الإسلامي العتيق البالي، وشيخ الإسلام يعتقد كغيره أن هذا في جملته كفر

وارتداد عن الإسلام ممن فعله وممن يقره ويستحسنه.

وتلا ذلك مباحث نشرها فريد أفندي وجدي في جريدة الجهاد عنوانها (الإسلام

دين عام خالد) ثم جمعت في كتاب مستقل، وفيها مع مدح الإسلام ما هو مخالف

لعقائده المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة، وكل ما كان كذلك فهو مروق

من الإسلام الذي درسه شيخ الإسلام في مدارس الآستانة من تفسير وحديث وتوحيد

وفقه وهو عين ما يدرس في الأزهر، وفي سائر بلاد الإسلام، وقد رد على بعضه،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢٠٧