(إنكم لم تقصدوا بما كان منكم إلا إرضاء ضمائركم، والمطابقة بين عقائدكم
وأعمالكم، فحسبكم أن يتم لكم ذلك بالهدوء والسكينة والأدب، وإني أجلكم عن قصد
العناد لرؤسائكم وأساتذتكم أو الجنوح للاستعلاء بالظفر لذاته) .
(وأوصيكم بالمحافظة على الصلوات الخمس ولو منفردين في حجراتكم
وبالحرص على صلاة الجماعة كلما تيسر لكم ذلك ولو على أرض حديقة المدرسة
فقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا) [1]
(إنكم قمتم بواجب ديني سلبي وهو الامتناع من دخول الكنيسة لسماع تعاليم دين
غير دينكم، فعليكم بهذا العمل الإيجابي الذي هو عماد الدين: {استعينوا بالصبر
والصلاة إن الله مع الصابرين} (البقرة: 153) اه.
ثم أنشأت في هذا مقالة عنوانها: (المسلمون في مدارس الجمعيات النصرانية)
بينت فيها آراء المسلمين في تعليم أولادهم فيها، فقلت ما ملخصه:
(وإن عامة المسلمين يشعرون بشدة الحاجة إلى هذه المدارس التي أسست
على دعوة النصرانية لما فيها من العلم، ويعلمون بما فيها من الضرر لأولادهم في
الدين، فالعلم يقتضي الإقبال عليها، والخوف على عقائد النشء الجديد يمنع من
الثقة بها، والجمهور مختلفون في الترجيح بين المانع والمقتضي) وبينت رأي
المرجحين للمقتضي وحجتهم عليه أن المسلم لا يخشى عليه أن يصير نصرانيا.
ثم قلت: هذا ما يراه بعض الذين يعلمون أبناءهم وبناتهم في هذه
المدارس الدينية (ومنهم من يرجح المانع على المتقضي كما هو المعتمد في المسألة
عند أهل الأصول كما أشار إلى ذلك الشاعر بقوله:
قالوا فلان عالم فاضل ... فأكرموه مثل ما يرتضي
فقلت: لما لم يكن عاملا ... تعارض المانع والمقتضي
(ومبلغ حجة هؤلاء أن مذاهب الفقهاء المتبعة تحظر على المسلم المتمكن في
دينه أن يدخل مع النصارى وغيرهم من المخالفين لنا في أصل الدين معابدهم
بهيئتهم الدينية التي يدخلون فيها وصرحوا بأنه إذا تشبه بهم في ذلك بحيث يظن أنه
منهم صار مرتدا، وإن بقي متميزا عنهم بحيث لا يشتبه بهم لا يكون مرتدا إلا إذا
قال أو فعل أو اعتقد ما يخالف ما هو مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة.
ويقولون: إن من الخطر على دين غير المتمكنين في دينهم كالأولاد الذين يوضعون
في هذه المدارس أن يسمح لهم بهذه الأعمال التي يغلب أن تكون عندنا كفرا وردة،
وأهونها أن تكون معصية، فإذا علق النوع الأول في ذهن التلميذ منا، ومات قبل
أن يصحح اعتقاده بمعاشرة المسلمين العارفين، أو مراجعة العلماء الراسخين، مات
مرتدا لا نرثه ولا نعامله معاملة موتانا إذا كنا عالمين بحاله، وإذا مات أبوه أو أمه
أو غيرهما من الأقربين في حياته لا يرث هو منهم شيئا. ويقولون أيضا: إن
بعض فقهائنا صرح بأن الرضى بالكفر كفر فإذا رضينا بشيء من ذلك نكون نحن
مرتدين أيضا) اه. ص 20 منه.
ثم ذكرت في هذه المقالة حديثا دار بيني وبين أحد أساتذة هذه المدرسة قال فيه:
(إن المدرسة لا تعلم التلاميذ التقاليد والأعمال الدينية التي يقررها بعض مذاهب
النصرانية ولا تطعن في أديانهم ولا مذاهبهم، وإنما تلقي عليهم مواعظ عامة تتفق
مع كل دين وإن كانت من الكتاب المقدس؛ لأجل أن تغرس في قلوبهم تقوى الله
وحب الفضيلة وتبعدهم من الإلحاد والتعطيل) وذكر أن المكان الذي تلقى فيه ليس
كنيسة بل مكانا لأجل الخطب، وسألني: (هل يحرم الدين الإسلامي على المسلمين
دخول هذا المكان ويوجب عليهم مخالفة نظام المدرسة؟) هذا نص سؤاله فأجبته
بما نصه:
(قلت: إن المسلمين فريقان: منهم من يأخذ بالدليل ومنهم من يتبع فقهاء
مذهبه، والمشهور عن فقهاء المذاهب التي عليها هؤلاء التلاميذ أن الدخول إلى
معابد المخالفين لنا في الدين ومشاركتهم فيما هو خاص بهم في أمور الدين فيها وكذا
في خارجها إما محرم وإما كفر في تفصيل لهم في ذلك، فلعل تلاميذكم يعتقدون أن