والإيثار للأسرة، والتضحية في سعادة الجميع، وهي سر القوة المعنوية، والنفوذ
الروحي، والسلطان النفسي للمرأة، وهي آية ما يجده الرجل من الراحة والسكون
حين يثوي إلى زوجته الصالحة، وهي التي يقول فيها البارئ الحكيم جل ذكره
وتعالت آيته: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل
بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} (الروم: 21) فإذا تأثرت
هذه الأنوثة بالنقص والفساد، أو الميل والانحراف، انطفأ نور ضميرها، وذهب
خفر حيائها، واتضع سمو روحها، وانفصمت عروة قوتها، وانهتك ستر صيانتها،
وأصبحت متعة مبتذلة يشعر من تذوقها أنه محتاج إلى سواها.
وفي كثير من المواطن تكون آثار الرجولة الكاملة، فالأمومة في نظر الدين
الحنيف، وفي نظر العرف الرشيد أسمى وأفضل من الأبوة، وأسو الجراح، وجبر
العظام، وري العطاش، وتأسية المصاب، وإغاثة الملهوف، أبر وأطهر من
تفجير الدماء، وتمزيق الأشلاء وإثارة النار الشعواء، والداهية الدهياء، وهي في
أنوثتها الكاملة أوثق دينا، وأنصع يقينا، وأمتن إيمانا، وأخلص إحسانا من الرجل.
والإسلام في نشأته الأولى، وفي عظمته الرائعة، وفي قوته الصادعة، وفي
مجده الخالد، وفي فتحه العظيم، مدين لتلك القوة المعنوية التي استوحتها المرأة من
أنوثتها الكاملة، وإن أول صوت آمن بالنبي وشد عضده، وقوى عزمه، وآزره
على الخطوب، وأيده في مغالبة الدهر هو صوت امرأة، حتى إذا ماتت تلك المرأة
العظيمة بكاها الرسول الكريم بكاءه على حده القاطع وركنه الشديد.
فهل بقيت للمرأة تلك النفس الراضية المطمئنة، وتلك الروح الشفافة العالية،
وتلك القوة المعنوية القاهرة؟ ! لا يا سيدتي الفاضلة، لم يبق للمرأة من هذه الآيات
الثلاث آية واحدة.
كانوا يقولون: انتظروا حتى تسفر المرأة فهي محجوبة لا ترى النور ولا
تحس الحياة، وهي مكتوفة لا تملك الأمر ولا تقوى على العمل، وهي مستعبدة لا
ترفع الرأس ولا تدفع الهوان، فالآن قد سفرت المرأة عن وجهها ويديها، وعن
صدرها وذراعيها، وعن حيها ودارها، وعن ليلها ونهارها، وعن رغائبها
ومآربها، وأصبحت تملك أمرها كله، وحقها كله، فأين هي الآن من فطرة المرأة
وفكرة المرأة؟ أين أثرها الحسن الجميل في البيت والأسرة، وفي الزوج والولد،
وفي البر والرحمة، وفي الحنان والإحسان؟
لقد نالت المرأة الحرية، فكانت حريتها حرية النفس والعاطفة، لا حرية
العقل ولا حرارة الدم فاندفعت كما ينبثق الماء الكثير من الثقب الصغير، وأخذت
تنظر إلى البيت كما ينظر السجين الطليق إلى سجنه القديم، وسارت هي من
طريق والرجل من طريق والولد من طريق، وتهادت الفتاة في وضح النهار وفي
دلج الليل مع ابن العم وابن الخال على الحقيقة والمجاز، ومع من تدعوه الخطيب
أو القريب إلى مسارح السينما وأندية اللهو، وإلى حيث لا يعلم الأب والأم، وإلى
حيث لا ينظر الرقيب والحسيب! فهل هذا العبث من الحرية هو ما كان يطلبه
أنصار النور وأنصار السفور؟
لقد امتشقت المرأة سلاحا من الجرأة وعدم المبالاة، وكان هذا الأسلوب
السخيف من حرية النفس والعاطفة جلاء لهذا السلاح القاتل المسموم، وسبيلا إلى
هذا البلاء الشامل المحتوم، وكان هذا المزمار المشئوم الذي يحمله شباب الكتاب أو
المتشببون منهم وسيلة إلى ارتداد السلاح إلى صدر المرأة الضعيف، وإصابتها في
الصميم من قلبها الصغير.
اسمعي يا سيدتي وأرعيني سمعك فإني سأقص عليك قصة وقعت وكنت أحد
شهودها، ولو لم ترها عيناي، وتسمعها أذناي لما أمكن أن تخطر في بال، أو
تجول في خيال، وها قد مضى على ذلك الحادث اثنان وعشرون يوما ولا والله ما
فارقني لحظة من الزمن ولا خطرة من التفكير.
كان ذلك في القناطر الخيرية، وكنت إذ ذاك مع ولدي الصغيرين، وكان كل
شيء في الوجود حسنا جميلا، وكان بي زهو الشريف العقيلي حين يدرج إلى