تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حرر الأستاذ الحجة السيد رشيد رضا في المدة الأخيرة كتابا أسماه (الوحي

المحمدي) من أنفس ما كتبه المسلمون في هذا العصر وكل عصر، وكأنما كتبه

تلقاء الانتقادات الأوربية التي تتوجه على الإسلام، إما عن تحامل وعداوة، وإما

عن جهل المستشرقين حقائق كثيرة فاتتهم، أو عن جهل المؤلفين المسلمين أنفسهم

بحقائق دينهم وبكيفية الدفاع عنهم إلا من عصم ربك، أو بعدم فهم الكثيرين منهم

لأسرار الشرع المحمدي، وقد أهديناه إلى من نحسن الظن فيهم من المستشرقين

فلعلهم ينتدبون لترجمته إلى اللغات الأوربية [1] فتتبدد به أوهام، وتنقشع ضلالات،

ويتجلى ما في المطاعن على أحكام القرآن من المحالات، فالذي يوفق إليه الأستاذ

صاحب المنار في هذا الباب لا يوفق إليه غيره.

وأما الخلاصة التي أريدها من هذه المقدمات فليست إخراج المستشرق فنسنك

من المجمع اللغوي المصري، هذا شيء يعني الحكومة المصرية ورعاياها

المصريين وهي أدرى بشغلها، وأنا لست من مصر ولا أقدر أن أطأ بقدمي أرض

مصر، ولكن أريد تنبيه اللجنة المنتدبة لترجمة الإنسيكلوبيذية الإسلامية إلى العربية

إلى شيء وهو أنه مع كون ترجمة هذه الإنسيكلوبيذية هي في الدرجة القصوى من

الإفادة، بل هي ضرورية لناشئة العالم الإسلامي لا تخلو من تحاملات منكرة على

الإسلام، ومن غلطات وخبطات علمية في مباحثها التي تولاها بعض الفئة الأولى

المتحاملة من المستشرقين، فإن تحرير هذا الكتاب تشطره عدد كبير من

المستشرقين، وكل منهم كتب بحسب معرفته، ومنهم من كتب بمقتضى هواه أيضا،

فعلى لجنة الترجمة التي يجب أن يكون فيها الأديب والمؤرخ والجغرافي والفلكي

والرياضي والكيماوي والجيولوجي والطبيب والفقيه والفيلسوف والمتكلم؛ لتكون

الترجمة صحيحة أن يكون بجانبها لجنة تضع في الحواشي تصحيح ما يجب

تصحيحه من الأغلاط، وتستدرك أيضا على فوات المتن، وإلا فنكون أدخلنا في

عقول ناشئتنا الجديدة ضلالات لا تحصى باسم العلم والفن وحرية الفكر والاستنتاج

التحليلي وغير ذلك من الألفاظ التي يلوكها بعض الأوربيين في تسمية سمومهم

الخبيثة، ودسائسهم المنكرة لحمل المسلمين على اتخاذ ثقافتهم، والتحول عن

الإسلام، فنحن من هذا البلاء في المقيم المقعد الذي يكفينا بدون ترجمة أنسيكلوبيذية

إسلامية يحرر فيها لامنس وأضرابه، فكيف إذا أصبحنا نأخذ أخبار الإسلام

والمسلمين عن هؤلاء ولا ننبه عليها؟

إليك الدليل على تحامل لامنس ومحاولته قلب الحقائق العلمية ما أرسل به إلي

أحد أصحابي من مصر من مقال في الأهرام ينقل كلام لامنس عن عرب الأندلس

وهو بحرفه: (لم يكن بين المسلمين الذين قاموا بفتح الأندلس إلا القليل من

العنصر العربي الخالص، فكان منهم قواد العسكر وأصحاب الرتب فيه ليس غير.

أما أكثرية الجيش فكانت مؤلفة من البربر والأفريقيين وفضلا عن ذلك فإن عدد

العرب الأقحاح كان ينقص باطراد متواصل بسبب الحروب الأهلية. فإذا تقرر هذا

رأينا أنفسنا مدفوعين إلى الإقرار مع الأستاذ ريبيره بأن نسبة العنصر العربي في

تكوين الشعب الأسباني المسلم قليلة جدا، ومن ثم فلا شيء يجيز لنا نعت مسلمي

الأندلس بالعرب، إلى غير ذلك من الهذيان الذي هذاه لامنس اليسوعي ومن قبله

صاحبه العالم الأسبانيولي. العرب يفتخرون بمدنيتهم الأندلسية، والإسلام يتخذها

حجة على أهليته للتمدين والتثقيف والسبق في ميدان الحضارة، وهذا بيت القصيد،

فلامنس اليسوعي يريد إنكار هذه الحقيقة التي تأتي بعكس ما يقرره دائما هؤلاء

المتحاملون من أن الإسلام لم يوفق حتى الآن إلى تأسيس مدنية راقية. ولما كانت

هذه المقالة قد طالت وكان الرد على كلام لامنس هذا بالأدلة العلمية القاطعة يأخذ

بعض أعمدة من (الجهاد) فإننا نرجئ هذا الرد إلى عدد قادم إن شاء الله.

(المنار) أشكر لصديقي الأمير شكيب هذا البيان لحقيقة حال جماعة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٧٦