فيصل سياسيا محنكا لا يناظره فيها نظير، ولا يقارعه قريع ولا يلز به قرين، بل
تباري به دهاة ساسة الأوربيين وقرومهم المقرمين، وفقدت زعيما عصريا، وملكا
مدنيا حازما غير مستبد، كبيرا غير متكبر، متواضعا عن غير ضعة، حليما في
غير ضعف، قد مارس الأيام، وعجم عود الزمان.
وأختم القول الآن بالواجب أداؤه، الممتنع إرجاؤه، وهو تعزية إخوة الفقيد
وأسرته الهاشمية عامة وجلالة نجله الذي خلفه على عرش العراق الملك غازي
الأول، خاصة فأسأل الله تعالى أن يحسن عزاءه وسلوته عن والده البر الرحيم،
بحسن القيام بما أورثه من الملك والمجد العظيم، وأن يوفقه فيه للنهوض بأعبائه،
ويجعله خير أهل لما ترجوه بلاده وأمته من سياسته، بالاعتماد على المجربين من
رجال حكومته، بعد تحري مرضاة الله عز وجل وشكره على نعمته، وبناء دعائم
الإصلاح على أساس شريعته، فإن الشعب العراقي قد دخل في طور جديد من
الحياة الدولية، ولبلاده سلف عظيم من الدولة العباسية، التي كانت مؤسسة لأرقى
دولة مدنية في عصرها علما وفنا، وتشريعا وقوة وفتحا، وثروة ونعمة وعمرانا،
والأمة العربية التي بتوحيدها ووحدتها أوجدتها، ثم فقدتها بتفرقها وغفلتها، قد
استيقظت بعد رقاد لبثت فيه عدة قرون، ووجهت عنايتها لتجديد المجد الذي ابتدأه
سلفها فأخرجوه من ظلمات العدم إلى نور الوجود، ولكنها متفرقة في المذاهب
الدينية، مختلفة في الآراء والأفكار العصرية، متفاوتة في أسبابها من التربية
والتعليم، مبتلاة بما ينافي تأسيس القوة من الترف وحب الزينة والتمتع بالشهوات،
وحولها خصوم لد وأعداء ما من صداقتهم بد، وإن في هذا القرآن والسنة المحمدية
التي شرف الله بها العرب على جميع الأمم لعلاجا لكل تلك الأدواء، وإن نجاح
العرب في هذه العصر بدون هذا العلاج ضرب من المحال.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">