تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من الأحوال

(الثالث) النظر في أفعال الرجال من أهل العلم والعمل والحقيقة؛ لأن في

اتباعهم خير قدوة.

ثم عليك بعد ذلك النظر في المعاملات الداخلية من أي جهة كانت سواء في

الأمور الاقتصادية، أو في حالة الأمراء وأعمالهم مع الولاية والرعية، أو في

الوزراء وسيرتهم، أو في حالة الناس فيما بينهم، فإذا دقق الإنسان النظر في هذا

مع إخلاص النية وحسن القصد تبين له الأمر، وكان على بصيرة وهداية.

ثم بعد ذلك عليك النظر في الأمور الخارجية وأحوال الزمان وتقلباته مع

الدول، ومعرفة الحكومات ومواقفها ونواياها (نياتها) وقواعد سياستها التي تسير

عليها في علاقاتها الخارجية. والدول كالأفراد تتألف وتتفق طبقا للأغراض

والمصالح، وأساس صلاتها قائم في تبادل المصالح وتقارض المنافع ودفع الأذى

وحماية الثغور، فعليك التبصر في سياسة كل دولة ومعرفة أغراضها معرفة حقيقية

تمكنك من انتهاج خطة صريحة حيالها، فيما يوليكه الله من بلاد أنت المسئول عن

المحافظة على حرماتها ودفع العدوان عنها، وجلب الخيرات واستكثار المصالح

والمنافع لها.

وعليك الحذر والتأني في تلقي ما ينقل إليك من الأخبار عن نوايا الدول،

وخذ ما يلقى إليك بالعقل والروية ولا تسر فيه بحكم الهوى والأماني، واحذر من

كلام يظهر لك في ظاهره النصح، وهو كلام حق يراد به غيره، واتخذ ديدنك

النظر فيما كان من أفعال الحكومات ومواقفها تجاهنا، واجعل سياستك قائمة على

مصافاتها باطنا وظاهرا ومسالمتها سرا وعلانية، واعلم أيضا مقامك ومقام بلادك

بين المسلمين وبين أبناء قومك العرب، ولا تنس واجبك تجاه كل مسلم وكل عربي،

واعمل في كل ذلك كما قيل: لكل مقام مقال ولكل يوم شأن.

الحقيقة أنني قد أطلت عليك الكلام، وهذا شيء لم أرده ولا يمكن أن تعمله

بالعجلة. ولكن إذا أحسنت النية من جهة الله وسألته التوفيق، واستخرت وشاورت

أهل الخبرة الناصحين، وكل فن عرفته من المختصين به فبحول الله وقوته على

طول الزمان تحصل النتيجة.

أحببت أن أبين لك ذلك حتى تضعه نصب عينيك وتفكر فيه في فراغك؛ لأن

هذا من واجبات الدين وواجبات الولاية، ومن الخواص التي لا يستغني عنها ولاة

الأمور. نرجو من الله أن يوفقنا وإياك لما يحبه ويرضاه وصلى الله على محمد

وآله وصحبه وسلم، يوم الجمعة أول صفر سنة 1352

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... عبد العزيز

***

جواب سمو ولي العهد

مولاي جلالة الملك المعظم:

عرضت على جلالة سيدي ما كان من أمر البيعة، وقد قرئ كتابكم الملوكي

الذي حوى تلك النصائح الثمينة لخادمكم. والحقيقة أنه يصعب علي بيان ما كان لها

من الوقع العظيم على مملوككم، وعلى جميع المسلمين الحاضرين، فإنها من أثمن

النصائح وأجلها قدرا، وقد قوبلت من الجميع بالدعاء لجلالتكم بطول العمر ودوام

التأييد والنصر. ومعلوم سيدي أننا لو فعلنا مهما فعلنا لا نتمكن من الرد على

جوابكم، إلا أننا نسأل الله أن يديم بقاءكم ولا يرينا ولا المسلمين فيكم أي مكروه،

وأن يلهمنا رشدنا ويعيذنا من شرور أنفسنا. وأرجو من الله، ثم من حضرة سيدي

الدعاء لمملوكه بالهدى والتوفيق، وأن الله يرزقنا السعي فيما يرضي وجهه،

ويوفقنا لخدمتكم وخدمة عامة المسلمين والله يديم جلالتك ذخرا وسندا.

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... الابن سعود

(المنار) إن وصية هذا الملك بالاهتداء لكتاب الله عز وجل وسنة رسوله

صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين والسلف الصالحين واتباع العلماء

وتقديم العقلاء، وقد وقعت أحسن موقع من قلوب جماعة المسلمين، ونوهت بها

جرائدهم في المشرق والمغرب الإسلاميين، ولو سئلت عنها مجلة مشيخة الأزهر

(نور الإسلام) لأفتت بأنها ضلالة من ضلالات الوهابية يحرم على المسلمين

الموافقة عليها؛ لأن الإسلام في رأي هذه المجلة هو ما يذكر في كتب المقلدين

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٣٠