دينهم بالتنصير التعليمي والإجباري وإخراجهم من جنسيته وجامعة شريعته وإدخالهم
في جنسيتهم وجامعة دولتهم، بل تجرأ دعاة النصرانية (المبشرون) في هاتين
السنتين على ما لم يكونوا يتجرءون عليه في مصر من إهانة الإسلام بالقول والفعل،
وفتنة تلاميذ مدارسهم ولا سيما البنات عن دينهم، وإدخالهم في النصرانية بضروب
من الحيل والأذى، حتى هاج ذلك عامة الأمة وخاصتها، ونقمت من مشيخة الأزهر
تقصيرها، وإنه ليعز علينا ما وصلت إليه مشيخة الأزهر في هذا العهد من احتقار
الأمة لها، وكثر طعنهم في الصحف عليها، وما يقوله الناس في مجالسهم الخاصة،
وأنديتهم وسمارهم العامة، لهو شر مما يكتبونه في الصحف؛ لأن الحرية القانونية في
الكلام أوسع وأسلم عاقبة من الكتاب، وعقاب القانون على النشر، ويلخص رأي
الأكثرين بكلمة وجيزة هي آخر ما سمعته في هذا الموضوع من عالم أديب من أبناء
كبار الشيوخ الذين كانوا يحضرون دروس الأستاذ الإمام في الأزهر، قال: إن حال
الأزهر الآن شر مما كان في كل زمان، وإن حاله غدا لشر مما هو الآن، ولا يرجى
صلاحه ألبتة. وهذا عين رأي المرحوم سعد باشا زغلول كما نقلته عنه في المنار
وعقب وفاته.
وبلغ من مقت الأمة لشيخ الأزهر الظواهري أن تصدى بعضهم لاغتياله،
حتى صار في وجل دائم على حياته، إذا خرج لزيارة بعض مشاهد الصالحين
للتبرك والتوسل الذي نشأ عليه تربية ووراثة، يعود من غير الطريق الذي ذهب
منه.
وأما رأيي الخاص في ماضي الأزهر وحاضره ومستقبله فهو مخالف لكل
الآراء التي يتحدث بها الناس من بعض الوجوه إن لم يكن من جميعها، وهاك
خلاصته:
ماضي الأزهر وأطواره فيه:
الأزهر لم يؤسس على التقوى من أول يوم كما يدعون. وإنما كان كمسجد
الضرار، أسسه الباطنية سنة 360 ه لبث دعوتهم الإلحادية التي بينها العلامة
المقريزي في خططه، ومنها يعلم صدق قول حجة الإسلام أبي حامد الغزالي فيهم:
ظاهرهم الرفض , وباطنهم الكفر المحض. ومن أعلم بكنه حالهم من أبي حامد
صاحب الحجج البالغة في مناظرة دعاتهم، والمصنفات القيمة في الرد على نحلتهم
(كفضائح الباطنية، والمستظهري، والقسطاس المستقيم) ؟ ويليه تلميذه القاضي
أبو بكر بن العربي الذي وقف على دخائلهم في أثناء رحلته إلى المشرق وناظرهم
كما ترى في كتابه العواصم والقواصم، ولا يزال يجهل هذه الحقائق أكثر المسلمين،
ويظن بعضهم أن الطعن في الفاطميين كان من دعاية العباسيين، لا فرق بين
الطعن في نسبهم والطعن في دينهم.
وبعد أن ثل عرشهم، وقضى على دعوتهم سلطان الإسلام المجاهد صلاح
الدين يوسف الأيوبي، سنة 567 دخل الأزهر كغيره من المساجد والمعاهد
المصرية في حوزة أهل السنة، ولكن ظل مدة مائة سنة لا تقام فيه الجمعة إذ
حصرت إقامتها في مسجد الحاكم لسعته، أعيدت إليه سنة 665 وقد خرب الأزهر
كغيره بزلزال سنة 702 ثم جدده بعض أمراء دولة المماليك البحرية وأنشئوا
بالقرب منه عدة مدارس، ووقف على طلاب العلم فيه كثير من الأوقاف. وقد تخرج
فيه كثير من العلماء الذين كانوا يقومون بمناصب القضاء العام والحسبة
والإفتاء والتدريس، ولبعضهم مصنفات مفيدة في علوم اللغة والشرع والتاريخ.
وكان ازدهار العلم فيه وفي غيره من مدارس مصر من أوائل القرن الثامن
إلى آخر القرن العاشر، وطفق بعده يرجع القهقرى بسرعة كان من أهم أسبابها
تفضيل مصنفات المتأخرين على كتب الأئمة الأولين، حتى صار أهل كل جيل
يدرسون كتب شيوخهم من الحواشي التي وضعوها على كتب من قبلهم من
المتأخرين، ثم صاروا يضعون لبعض هذه الحواشي تقارير يوضحون بها
غوامضها، وابتدعوا في التعليم المناقشة في عبارات المؤلفين في درجاتها الأربع:
المتن، الشرح، الحاشية، التقرير. فانحصر الغرض من التدريس والتأليف في
عبارات هذه الكتب التي صنفت كلها بعد ذهاب دولة العلم، حتى صار عبارة عن