الفرنسية الضيقة (التي لا سعة فيها للتعبير عن الشعور) المرنة (التي لا تتنازل
عن حقوقها) والقاسية، وزد على ذلك أن اللغة الفرنسية ومثلها جميع اللغات
العصرية ليست لغة دينية وما استعملت قط للتعبير عن الألوهية) اه.
ثم تكلم عن عنايته هو مدة تسع سنوات متواليات بمحاولة نقل شيء من
القرآن إلى اللغة الفرنسية على شرط المحافظة على بلاغة الأصل (وتساءل هل
أمكنه التغلب على هذه الصعوبة أم لا؟ يعني أنه يشك في ذلك) .
(ثالثها) أن أسلوب القرآن الغريب المخالف لجميع أساليب الكلام العربي،
وطريقته في مزج العقائد والمواعظ والحكم والأحكام والآداب بعضها ببعض في
الآيات المتفرقة في السور - وهو ما بينا سببه وحكمته في هذا الكتاب - قد كان
حائلا دون جمع كبار علماء المسلمين من المفسرين وغيرهم لكل نوع من أنواع
علومه ومقاصده في باب خاص به، كما فعلوا في آيات الأحكام العملية من العبادات
والمعاملات، دون القواعد والأصول الاجتماعية والسياسية والمالية التي يرى
القارئ نموذجها في هذا الكتاب؛ إذ لم يكونوا يشعرون بالحاجة إليها كما نشعر في
هذا العصر.
وقد عني بعض الإفرنج بوضع كتاب باللغة الفرنسية جمع فيه آيات القرآن
بحسب معانيها، ووضع كل منها في باب أو أبواب خاصة بقدر فهمه، ولكنه أخطأ
في كثير من هذه المعاني وقصر في بعض، على أن أخذ القواعد والأصول العامة
من هذه الآيات يتوقف على العلم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته في بيان
القرآن وتنفيذه لشرعه، وآثار خلفائه وعلماء أصحابه من بعده، كما يعلم من يراجع
في ذلك الكتاب الآيات الدالة على ما بيناه في كتابنا هذا من مقاصد القرآن
بالاختصار، وما فصلناه منها في تفسير المنار.
(رابعها) أن الإسلام ليس له دولة تقيم القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه
وسلم بالحكم وتتولى نشره بالعلم، ولا جمعيات دينية تتولى بحمايتها الدعوة إليه
بالحجة، وليس لأهله مجمع ديني علمي يرجع إليه في بيان معاني القرآن وهدايته
في سياسة البشر ومصالحهم العامة التي تتجدد لهم بتجدد الحوادث ومخترعات
العلوم والفنون، وفيما يتعارض من العلوم ونصوص الدين فيرجع إليها علماء
الإفرنج في استبانة ما خفي عليهم من نصوصها.
وأعجب من هذا وأغرب أن المسلمين أنفسهم قد تركوا من بعد خير القرون
الأولى أخذ دينهم من القرآن المنزل ومن بيان الرسول صلى الله عليه وسلم له كما
أمره الله تعالى فيه بقوله: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم
يتفكرون} (النحل: 44) وما زالوا يهجرون الاهتداء بهما حتى استغنوا عنها
استغناء تاما بأخذ عقائدهم عن كتب المتكلمين، وأخذ أحكام عباداتهم ومعاملاتهم عن
كتب علماء المذاهب غير المجتهدين، وهذه الكتب لا تقوم بها حجة الله تعالى على
البشر، ولا سيما أهل هذا العصر الذي ارتقت فيه جميع العلوم العقلية والتشريعية،
حتى صار المسلمون منا، يأخذون عنهم ما كانوا يأخذون عنا، بل فيها من آراء
المتكلمين والفقهاء، وروايات الكذابين والضعفاء ما قد يعد حجة على الإسلام وأهله،
كما أن سوء حال المسلمين في فشو الجهل في شعوبهم والفساد والانحلال في
حكوماتهم قد اتخذ حجة على دينهم، فصاروا فتنة للذين كفروا به.
وإذا كان هذا حال المسلمين في فهم القرآن وهدايته، فيكف يكون حال
الشعوب التي نشأت على أديان أخرى ألفتها، ولها رؤساء يربونهم عليها ويصدونهم
عن غيرها، ودول حربية قد عادوا الإسلام منذ بضع قرون، بما لو وجهوه إلى
الجبال لاندكت وزالت من الوجود، ولكنه دين الله الحي القيوم فهو باق ما دام البشر
في الأرض لا يزول أو تزول.
هذه أظهر الأسباب لخفاء حقيقة الإسلام الكاملة على علماء الحضارة العصرية
من الأجانب ومن المسلمين أيضا وتمنيهم لو يبعث نبي جديد بهداية إلهية عامة كافية