تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} (النور: 55)

ومن المعلوم بالبداهة أن المتجنس بالجنسية الفرنسية إن أمكن عقلا وصح

شرعا أن يظل متمسكا بالجانب الروحي من الإسلام بأن يكون مؤمنا بأن كل ما جاء

به محمد صلى الله عليه وسلم من الدين حق يجب اتباعه فيه بتأوله أنه يقدر على

القيام بعباداته، ويكون عاصيا معذورا، فلا يمكن عقلا ولا شرعا أن يدعي أنه

يظل مستمسكا بالجانب الآخر من الإسلام، وهو السياسي الاجتماعي، فإنه لا معنى

للتجنس إلا خروجه منه، ومن المعلوم بالضرورة أن كلا من جانبي الإسلام شرع

الله ودينه، فالمروق من هذا مروق من ذاك وخذل له وجناية عليه.

أيها المسلمون الغافلون!

لماذا فرض الله الجهاد عليكم بأموالكم وأنفسكم وجعله أقوى آيات الإيمان؟

أليس لتأييد دولة الإسلام وحكمه، والدفاع عن داره وأهله؟ لماذا فرض الله الهجرة

لحرية العقيدة والوجدان، قبل أن يفرض الجهاد؟ أليس لأجل تأسيس دولة الإسلام؟

لماذا فرض الله الولاية والبراءة وجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض في النصرة

كما أن الكافرين بعضهم أولياء بعض عليهم؟ ألم تعلموا أن الله تعالى جعل من

شروط صحة الإسلام: الإيمان بالكتاب كله، وجعل الكفر ببعضه كالكفر به كله،

ولم يفرق بين التعبدي والسياسي منه؟

ومن أدلة هذا وشواهده أن الله وبخ اليهود واحتج عليهم في قتالهم مع مخالفيهم

من العرب لإخوانهم المحالفين لغيرهم ثم فدائهم لأسراهم بقوله: {أفتؤمنون ببعض

الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم

القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون} (البقرة: 85) فهو

تعالى قد سمى مخالفتهم لشريعتهم في المسائل الحربية كفرا جزاؤه الخزي والذل في

الدنيا وأشد عذاب النار في الآخرة، أفيعد مثله من المسلمين إيمانا وإسلاما ويجعل

جزاؤه عز الدنيا وسعادة الآخرة؟ وهل حال المسلمين في تونس وغيرها تدل على

ذلك؟

أتريدون مع هذا أن تجدوا للخارجين من ولاية الإسلام وجنسيته إلى ولاية

المحادين له مخرجا لفظيا من أحكام الردة لإثبات إسلامه ودفنه في مقابر المسلمين

خداعا لعامتهم ليقبلوا الخروج مما خرج منه، والدخول فيما دخل فيه، إلى أن

يزول الإسلام كله من بلادكم بجهل عامتكم، ونفاق خاصتكم؟

أرأيتم هذه الصراحة في بيان حقيقة دينكم التي قلما يتجرأ غير صاحب المنار

على الجهر بها في صحيفة تنشر؟ إنها لهي بعض ما يجب أن تعلموه وتعملوا به،

ولو صرح لكم بكل ما يجب عليكم لرجت الأرض رجا، وقامت عليه جميع دول

أوربة وصحفها بل على الإسلام كله، على أنه قد بين كل شيء في فرص أخرى،

ولكن أكثر المسلمين لا يقرءون، وأكثر الذين يقرءون منهم لا يفقهون، وأكثر

الذين يفقهون على قلتهم في أنفسهم متحيرون، ولا يدرون ما يعملون {ولقد وصلنا

لهم القول لعلهم يتذكرون} (القصص: 51)

وأما أنتم أيها الفرنسيس فحسبكم بغيا وفجورا، وحسبكم اضطهادا لدين الحق،

واستعبادا للمستضعفين من الخلق، واعلموا أن الإسلام لا يزول بزوال الدولة

العثمانية، وارتداد الحكومة التركية، وأنكم لم تصيروا آلهة العالم بضعف الدولة

الألمانية، وأن صداقة الإسلام خير لكم من عداوته، فاطلبوها تجدوها، قبل أن

تحتاجوا إليها فلا تجدوها والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٠٢