تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولاهم الخلفاء الراشدون ولا سيما عمر على الأمصار، ولو كان الذي يصلح لذلك

أصحاب المبالغة في الزهد والعبادة لكان أبو ذر وأبو الدرداء وأبو موسى

الأشعري مقدمين على غيرهم للولاية والسياسة وإدارة أمور الشعوب.

وجملة القول في براهين السيد عبد الحسين نور الدين العقلية: إنها ليس فيها

قياس منطقي مؤلف من مقدمات يقينية تصلح لتأليف برهان عقلي؛ وإنما جاء

بروايات نقلية لا يمكنه إثباتها كلها؛ وإنما بعضها صحيح كتقدم إسلام علي على

إسلام عمر، وهو لا يدل على ما استدل به عليه، وبعضها لا يصح، وهو على

فرض صحته لا ينتج مع غيره ما فهمه منه بطريقة القياس البرهاني لما بيناه من

الحقائق الفلسفية والتاريخية.

على أننا نقول: إن كلا من عمر وعلي رضي الله عنهما من أفراد البشر

الممتازين بالعبقرية العليا، فعمر جدير بأن يفهم في الزمن القصير من القرآن

والسنة ما لم يفهمه غيره في الزمن الطويل، وهو الذي شهد له الرسول بأنه من

المحدثين (بفتح الدال المشددة) أي الملهمين المفهمين من الله تعالى، وبأن الله

جعل الحق على لسانه وقلبه، وهو هو الذي نزل القرآن مرارا موافقا لرأيه وقال

فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (لو كان بعدي نبي لكان عمر) رواه أحمد

والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وأقره الذهبي، وكان في شبابه صاحب سفارة

قريش وعمدتهم في المفاخرة والمنافرة، فلولا أنه من أحفظهم وأفصحهم وأقواهم

حجة لما ولوه ذلك، فإذا كان قد سبقه أربعون رجلا إلى الإسلام فلا يمكن لمن

يفضل عليا وأبا بكر عليه في علمهما أن يفضل عليه باقي الأربعين، والتفاضل بين

الثلاثة أنفسهم لا يسهل أن يثبت بقياس برهاني؛ وإنما الدلائل القطعية في فضائل

عمر وعلي هي ما ثبت بالتواتر من سيرتهما العملية التي لا تحتمل التأويل.

دلائل مناظرنا النقلية:

إن ما ذكره السيد عبد الحسين نور الدين من الروايات النقلية التي بنى عليها

استدلاله تدل على أنه لا يوثق بنقله وإن عين مواضعه بالأرقام، ولا بتمييزه بين ما

يصح من الروايات وما لا يصح، ولا بفهمه لما ينقله، وهاك البيان مختصرا:

(1) ما نقله عن مختصر كنز العمال من هامش ص 43 من مسند الإمام

أحمد وقد أنكره عليه السائح العربي؛ وإنما هو في ص 46 منه ج 5 وهو روايتان:

إحداهما عن علي ولم ينقلها ولفظها: (كنت إذا سألت رسول الله صلى الله عليه

وسلم أعطاني وإذا سكت ابتدأني) وهذه أخرجها ابن أبي شيبة والترمذي من طريق

عبد الله بن هند وهو المرادي الجملي الكوفي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن

غريب من هذا الوجه، وأقول: إن عبد الله بن هند لم يثبت سماعه عن علي وهو

صدوق، والثانية التي نقلها وهي: عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب أنه

قيل لعلي: ما لك أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا؟ فقال:

(إني كنت إذا سألته أنبأني وإذا سكت ابتدأني) رواه ابن سعد اه. ومحمد بن عمر

هذا لم يسمع من جده علي ولم يذكر من حدثه عنه، وفي روايته من جهة المتن أنه

لم يثبت أن عليا كرم الله وجهه كان أكثر الصحابة حديثا أيضا.

(2) ما نقله عن ص273 ج 3 من طبقات ابن سعد وهو رواية قدوم أبي

هريرة من عند أبي موسى بثمانمائة ألف درهم، وقد أنكره عليه السائح العربي

أيضا، وهو في ص 616 ج 3 (طبعة أوربة) وهذا لفظه: أخبرنا يزيد بن

هارون نا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنه قدم على عمر من

البحرين (قال أبو هريرة: فلقيته في صلاة العشاء الآخرة فسلمت عليه فسألني عن

الناس ثم قال لي: ماذا جئت به؟ قلت: جئت بخمسمائة ألف درهم، قال: هل

تدري ما تقول؟ قلت: جئت بخمسمائة ألف درهم، قال: ماذا تقول؟ قلت: مائة

ألف، مائة ألف، مائة ألف حتى عددت خمسا، قال: إنك ناعس فارجع إلى أهلك

فنم فإذا أصبحت فائتني، فقال أبو هريرة: فغدوت إليه فقال: ماذا جئت به؟ قلت:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٩٣