الله صلى الله عليه وسلم لا يبلغ شأو المتقدم، ثم إن كون علي أكثرهم حفظا
وأقواهم ذاكرة لا دليل عليه من عقل ولا من نقل؛ لأن مثله لا يثبت إلا بامتحان
استقرائي تام، وهو لم يقع تاما ولا ناقصا، وإن كان في نفسه غير كثير عليه.
ومن غرائب براهينه القطعية الخاصة بمنطقه: استدلاله بذاكرته وذاكرة بعض
معارفه؛ إذ قال: إنه لم يكن ينسى في شبيبته شيئا مما سمعه أو قرأه، وكان يتعجب
ممن ينسى، وبعد بلوغه الثلاثين انقلب الأمر وانعكس، وأصبح يتعجب ممن
يحفظ ولا ينسى، وأنه ما شكا هذا الداء لأحد إلا وشكا له مثله، فكأنه هو وأصحابه
الذين شكا لهم حاله حجة الله القطعية على البشرية والمعيار لنابغي العلماء والحفاظ،
ومثل عمر بن الخطاب، وأنا أقول له: إنني بعد بلوغي الستين لم أنس شيئا مما
سمعته وقرأته، إلا الأمور التافهة التي لا ألقي لها بالا، ولا أحب أن أحفظها، ولا
أن أعيدها إذا ذكرتها؛ ولكنني منذ الصغر قليل الحفظ لأسماء الأعلام والأرقام
واستحضار ما لم يتكرر على ذهني منها، وقوي الحفظ سريع الاستحضار للمسائل
العلمية ولا سيما المعقولة منها، ومن عادتي أنني إذا ألقيت خطبة أو محاضرة أو
سمعتها من غيري ونويت أن أعيدها أو أكتبها فإنني أعيدها بما يقرب من ألفاظها
وبتحديد معانيها، وإذا لم أنو ذلك فإنني أتذكرها بعد ذلك بالإجمال لا بالتفصيل.
مثال ذلك بعض الخطب التي ألقيتها في سورية سنة الدستور، وبعض الخطب
التي ألقيتها في الهند؛ فإنني كتبتها للمنار بعد إلقائها في مدد قصيرة أو طويلة،
ورأيت الذين سمعوها يقولون إنني لم أترك مما قلته شيئا، ومنها الخطبة التي
ارتجلتها في مدرسة عليكرة الإسلامية الجامعة في الهند وموضوعها التربية وأنواعها
وفلسفتها، اقترحت علي عند عقد الحفلة التي أقامها طلاب المدرسة لي، ثم اقترح
علي بعد الاحتفال أن أكتبها فلم أجد فرصة لذلك مدة مكثي في الهند؛ ولكنني كتبتها
في مسقط وأرسلتها إلى عمدة المدرسة، وكانوا قد كتبوا كل ما وعوه منها بطريقة
الاختزال فلما وصل إليهم ما كتبته وجدوه أوفى وأضبط مما كتبوا، ولقد رويت عن
شيخنا الأستاذ الإمام في تاريخي له أمورا كثيرة سمعتها أو حضرتها بعد الثلاثين
ودونتها بعد الستين، ونشرت له خطبا ارتجالية في عهده لم يستدرك علي منها كلمة.
(6) لو كان التفاضل في العلم عند الصحابة بالرواية لتنافسوا فيها ولكتب
الكاتبون منهم ما سمعوه ووعوه، ولم ينقل عنهم هذا بل المنقول خلافه.
(7) من المقرر عند العلماء أن العلوم والأعمال التي يتعدى نفعها أفضل
وأكثر ثوابا من القاصرة على صاحبها، ومن المعلوم الذي لا خلاف فيه بين
المحدثين والمؤرخين للإسلام ودوله أن علوم عمر وأعماله كانت أنفع من علوم
سائر الخلفاء في نشر الإسلام واهتداء الشعوب به وفتوحه وما اشتهر به من العدل
والفضائل.
(8) من المعلوم الذي لا مرية فيه بين الواقفين على تواريخ الأمم وسنن
الاجتماع البشري أن أرقى البشر عقلا وعلما نفسيا هم أقدرهم على سياسة الشعوب
وإقامة الدول، وأن هؤلاء مفضلون على الحفاظ والعلماء الفنيين الذين يقومون
ببعض الأعمال الجزئية في الدولة، وهذا هو العلم الذي يرجح صاحبه على من
دونه فيه لتولي الحكم العام كالخلافة والملك، ومن دعائم هذا العلم معرفة استعداد
الأفراد الذين يصلحون للسياسة والإدارة والقضاء وقيادة الجيوش، ومن المعلوم من
التاريخ بالتواتر والعمل أن عمر رضي الله عنه كان في الذروة العليا من نابغي
البشر وأفذاذ الأمم في هذا الأمر علما وعملا، يشهد له بهذا علماء هذا الشأن من
جميع الشعوب، ولبعض علماء أوربة وفلاسفتهم أقوال في ذلك مشهورة ومدونة.
فلو كان العلم الذي يفضل صاحبه على غيره في الخلافة وإدارة سياسة الأمة
هو كثرة الحفظ للأحاديث وضبط الروايات لكان أبو هريرة وأنس بن مالك أول من