تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جئت بخمسمائة ألف درهم، قال عمر: أطيب؟ قلت: نعم، لا أعلم إلا ذلك،

فقال للناس: إنه قدم عليكم مال كثير، فإن شئتم أن نعد لكم عددا وإن شئتم أن نكيله

لكم كيلا؟ ثم ذكر مسألة إنشائه الديوان) .

أقول: أولا: إن السيد نور الدين لعدم وقوفه على علوم الحديث ومصطلحات

أهلها، يقول إذا نقل شيئا عن كتاب: إن صاحبه موثق عند إخواننا، كما قال في ابن

سعد، وإذا كان ابن سعد ثقة فلا يقتضي أن يكون كل ما يرويه صحيحا، فهو

يروي غيرالصحيح كغيره من المحدثين، وعذره أنه يذكر السند الذي هو العمدة في

تمييز الصحيح من غيره، وقد قال هو نفسه في محمد بن عمرو راوي هذا الحديث:

كان كثير الحديث يستضعف، وقال فيه يحيى بن معين: ما زال الناس يتقون حديثه،

قيل له: وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من روايته، ثم

يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة اه. أي مثل هذه الرواية.

ثانيا: إن هذه الرواية ليس فيها أدنى مطعن على علم عمر رضي الله عنه،

ولا على فهمه، بل كل ما فيها أنه استكثر هذا المال أن يجيء من البحرين، فظن

أن أبا هريرة مخطئ في بيانه لنعاس أو تعب طرأ عليه، وهو معذور في استكثاره

لما كانوا عليه من الضيق والعسر.

(3) قوله: وروى أحمد في مسنده أن عمر لم يعرف حكم الشك في الصلاة،

وهذا من غرائب عدم فهمه إذا كان قد رواه بالمعنى، وإلا كان افتراء على المسند؛

فإنه ليس فيه أن عمر لم يعرف حكم الشك؛ وإنما فيه عن محمد بن إسحاق عن

مكحول عن كريب عن ابن عباس أنه قال له عمر: يا غلام، هل سمعت من

رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من أحد من أصحابه إذا شك الرجل في صلاته

ماذا يصنع؟ فبينما هو كذلك إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف فقال: فيم أنتما؟ فقال

عمر: سألت هذا الغلام.. . إلخ، فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله صلى الله

عليه وسلم يقول: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أواحدة صلى أم ثنتين، وإذا

لم يدر صلى ثلاثا أم أربعا فليجعلها ثلاثا ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس

قبل أن يسلم) .

وأقول أولا: إن السؤال لا يكون دائما عن جهل بالمسئول عنه، بل قد

يكون امتحانا، وقد يكون للتثبت في رواية مختلف فيها أو متهم راويها، وفي

سجود السهو عدة روايات مختلفة.

وثانيا: إن هذا الحديث غير صحيح؛ فإنه رواية ابن إسحاق عن كريب وهو

مدلس، وقد عنعن فلا تقبل روايته، ومكحول رواه له مرسلا، قال ابن إسحاق:

فلقيت حسين بن عبد الله فقال لي: هل أسنده لك؟ قلت: لا؛ لكنه حدثني أن كريبا

حدثه به. وحسين ضعيف جدا، وقال ابن أبي خيثمة: سمعت هارون بن معروف

يقول: إن مكحولا لم يسمع من كريب اه. ولكن ذكر في التهذيب أنه سمع منه،

والله أعلم.

فهذه أمثلة للروايات التي يعتمد عليها هذا المناظر في الطعن في علم عمر بن

الخطاب مما ينقله عن المحدثين، فما قولك بما ينقله عن كتاب الأغاني وابن أبي

الحديد؟

وإني لأراه وأمثاله ممن يبحثون في الكتب عن شيء فيه طعن ما على من لهم

هوى في نقل الطعن فيه من غير تمييز بين صحيحه وسقيمه كدعاة النصرانية

(المبشرين) إذ ينظرون في القرآن الكريم وكتب الحديث والتفسير يتلمسون كلمة

يمكن الطعن فيها أو اتخاذها حجة على الإسلام والمسلمين ولو بالتحريف، فينقلونها

ويعتمدون عليها في تشكيك عوام المسلمين في دينهم، وإلا فما باله يختار من مسند

أحمد ما نقله كما فهمه لا كما وجده، ولم يعتبر بما رواه أحمد فيه من طرق كثيرة

عن علي أنه قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر) ومنها أنه قال ذلك

وهو على المنبر، ومنها أنه قاله لمن سأله ومنهم أبو جحيفة من جماعته ومفضليه

على غيره.

هذا ومناظرنا يوجه هذا إلى صاحب المنار المشهور بالاشتغال بعلوم الحديث

ونقد الروايات؛ وإنما يوجهه إليه لأجل المناظرة فيه، فلولا أنه مصدق لهذه

الروايات وواثق بفهمه لها مع إقراره بضعف ذاكرته، لما جعلها من موضوع

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٩٤