من العلم؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا أن يؤتي الله عبدا فهما في
القرآن وما في هذه الصحيفة. يعني كرم الله وجهه صحيفة كان ربطها بسيفه فيها
أحكام عقل الدية وفكاك الأسير وتحريم المدينة كمكة وعدم قتل المؤمن بالكافر.
والحديث صحيح رواه أحمد والبخاري في مواضع متعددة من المسند والجامع
الصحيح ورواه غيرهما أيضا، ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ عشيرته
في الشعب شيئا من التشريع ولا أن عليا أو غيره قال ذلك، بل من المعلوم الذي لا
خلاف فيه أن أكثر الأحكام التشريعية كانت بعد الهجرة.
(2) الإنسان كما يقول الأطباء لا يكتمل نموه الجسدي والعقلي الطبيعي إلا
باكتمال 25 سنة التي هي ربع العمر الطبيعي المعتدل، ومن المعلوم بالتجارب في
المدارس وغيرها أن ابن 26 سنة أقوى فهما للمسائل العقلية من اعتقادية وتشريعية
من الطفل المميز واليافع الذي لم يكتمل نموه، وأن أكثر الذين يطيلون المكث في
مدارس التعليم أقلهم نبوغا، فأشهر الحكماء والنابغين لم يمكثوا في المدارس إلا
قليلا، وقد سمعت أستاذنا الشيخ حسينا الجسر يقول للسيد علي الثمين نقيب
الأشراف بطرابلس في تلميذ له: إنه ساوى في السنة الأولى الأذكياء الذين سبقوه
في طلب العلم بسبع سنين.
(3) من المعلوم عند علماء النفس، وعلماء التاريخ أن من كان قوي
الاستعداد للحفظ يزداد في الشباب قوة باستعمال استعداده، كما يعلم من تراجم حفاظ
الحديث، ولما حفظ ابن عباس قصيدة عمر بن أبي ربيعة من سماعها مرة واحدة كان
كهلا لا شابا ولا طفلا، وعجب ممن عجب من ذلك فقال: (وهل يسمع الإنسان
شيئا ولا يحفظه؟) وأملى الحافظ ابن حجر ألف درس من حفظه وكان كهلا، ومن
المعلوم أيضا أن ملكة الحفظ في العرب كانت قوية جدا لاعتمادهم عليها، وكذلك
كانت عند غيرهم من الأمم قبل تعلم الكتابة والاعتماد عليها في حفظ العلم، ففي
تاريخ اليونان القديم أن عقلاءهم اعترضوا على اقتباسهم فن الكتابة من المصريين
بأن الاعتماد عليها يضعف ملكة الحفظ.
(4) ما جعل الله لرجل من قلبين، وزيادة بعض القوى يقابلها نقض غيرها
فمن كان أكثر حفظا للنصوص الشرعية كالقرآن والحديث أو اللغة قلما يساوي في
فهمها والتفقه فيها من يعنى بفهمها دون حفظها، وقد علم بالتجربة أن قوة الاستعداد
للحفظ قلما تتفق مع قوة الاستعداد للفهم والحكم في المعاني، فأكثر حفاظ الحديث
غير فقهاء فيه، وأكثر الفقهاء غير حفاظ له، وكذا علماء المعقول فقلما تجد في
كبارهم حافظا للحديث والآثار أو من يسمى محدثا، وقد كان أبو حنيفة يعد أفقه أئمة
المذاهب المشهورة وهو أقلهم حفظا، وكان أحمد بن حنبل أحفظهم، وقد قال فيه
الإمام ابن جرير: إنه محدث لا فقيه. بل يروى أن الشافعي قال لأحمد على ما اشتهر
من إجلاله له: إذا صح عندكم الحديث فأخبرونا به، فأنتم أعلم بروايته ونحن أعلم
بفقهه، أو ما هذا معناه.
(5) إن فائدة حفظ النصوص تبليغها للناس، وإننا نرى المروي عن عمر
من الحديث في البخاري، وفي مسند أحمد أكثر من المروي عن علي، وهو لم يرو
إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر وأبي بن كعب، وعلي قد روى
عنه وعن أبي بكر والمقداد بن الأسود رضي الله عنهم، وكذا عن فاطمة عليها
السلام، والمروي عن أبي هريرة الذي أسلم في السنة السادسة من الهجرة أكثر مما
روي عن الخلفاء الأربعة، وعن العبادلة الذين هم أكثر رواية من الخلفاء؛ ولكنهم
يلونهم في فقه الدين وحكمه، وكان أبو هريرة دون كل واحد منهم في علوم الإسلام
الإلهية والشرعية.
فقول هذا السيد في براهينه القطعية عنده: (فكان أعلمهم أكثرهم حفظا
وأقواهم حافظة) غير صحيح وإلا لكان أبو هريرة أعلم الصحابة على الإطلاق،
ثم إنه معارض ببرهانه القطعي الآخر أن المتأخر في الزمن في التلقي عن رسول