وإنني على هذا العلم لأجرأ على تبرئة السيد عبد الحسين نور الدين من سوء
النية، أو خدمة دسائس بعض الإيرانيين أو المستعمرين الذين يستفيدون من غلوه،
ولا زال على رأيي السابق فيه وهو أنه ذو وجدان خيالي ديني مستحوذ عليه فهو
يعتقد ما يقول.
* * *
الرد على السيد عبد الحسين نور الدين
لا على الشيعة في المفاضلة بين الخليفتين
لا مندوحة لي وقد نشرت هذه الرسالة على منكراتها من الرد عليها، ليرى
صاحبها قيمة حججه في مسألة التفاضل بين عمر وعلي رضوان الله عليهما، وأن
بعض ما سماه براهين قطعية، لا يعدو أن يكون شبهات خطابية، وتخيلات شعرية،
لا يصح في الشرع ولا العقل أن تجعل من عقائد الدين، ويجعل الخلاف فيها
سببا للشقاق بين المسلمين، وأن من أكبر الخذلان، واتباع خطوات الشيطان، أن
يجعل الخلف الطالح مسألة المفاضلة بين الخليفتين من أصول الدين، التي يقذف
فيها المخالف بأنه (غير متبع سبيل المؤمنين) مع العلم القطعي بأن عليا كان وليا
ونصيرا وظهيرا وقاضيا ووزيرا لعمر، وأنه فضله هو وأبو بكر على نفسه
وسائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه أحمد والبخاري وغيره
بالأسانيد الصحيحة، يقابله ما علم واشتهر من تقديم عمر له في التعظيم والشورى
والقضاء، ومن تفضيله على نفسه ما قاله عمر لابنه عبد الله حين عاتبه على
تفضيل الحسن والحسين عليهما السلام عليه في العطاء فقال له: (ألك أب كأبيهما
أو جد كجدهما؟) كما نقله الرضي في نهج البلاغة.
أليس أمير المؤمنين علي عليه السلام هو القدوة الأكبر بعد رسول الله صلى
الله عليه وسلم المعصوم عند إخواننا الشيعة، فلماذا لا يتبعونه في إجلال أبي بكر
وعمر وكذا عثمان لأجل جمع كلمة المسلمين، وإعلاء كلمة الدين؟ وإن كان أحق
بالخلافة منه عندهم، أو ليس هو وعمر عند أهل السنة في درجة واحدة من الخلافة
الراشدة؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء
الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ) فما لنا في هذا العصر لا نقتدي بهما في
الولاية والتعاون على مصلحة المسلمين، ونتسلق إلى ما لا نبلغه من التفاضل بين
علميهما؟ ألا إننا سنفعل ذلك رغم أنوف المتعصبين الخياليين والمأجورين.
تفنيد ما سماه البراهين القاطعة على تفضيل علي:
خلاصة براهينه أن عمر أسلم في السنة السادسة من البعثة وعمره ست
وعشرون سنة، ومكث مدة ثلاث سنين لا يرى النبي صلى الله عليه وسلم إلا
نادرا، وهي مدة حصاره في بني هاشم وبني عبد المطلب في الشعب.
ونتيجة هذا أنه طلب العلم في سن لم يسمع المعترض أن أحدا طلب العلم فيها
وبرع فيه، فهذا برهان عقلي على أن عمر لم يبرع في علم الإسلام اه (ص
66) .
وأما علي فقد ضمه إليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربع سنوات،
ولم يفارقه في طول حياته إلا في أوقات قليلة، فقد تلقى العلوم من سن الطفولة التي
هي سن التحصيل، وفي الزمن الطويل، فهذا برهان عقلي على أنه فاق عمر
وسائر الصحابة في علوم الإسلام كلها مع ذكائه النادر اه (ص 67 - 69) .
أقول: (1) إن العلم الذي دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فيه
شيء من الفنون الخاصة بالأطفال التي تؤخذ بحفظ العبارات أولا، ثم تفهم بالتدريج
البطيء الذي يراعى فيه سن الطفل ونمو مداركه؛ وإنما دعا إلى علم لا يوجه إلا
إلى العقلاء المكلفين، وأوله توحيد الله تعالى والإيمان بملائكته وكتبه ورسله
وبالبعث والجزاء، ثم بأصول الفضائل وعبادة الله تعالى بالصلاة والذكر والفكر،
وينبوع هذا العلم كله القرآن وقد بلغ كله للجميع؛ وإنما كان النبي صلى الله عليه
وسلم مبينا له بسنته العملية والقولية، وكانوا يتفاضلون في العلم بفهم القرآن، وقد
سأل أبو جحيفة عليا عليه السلام: هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء