تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اه.

ثم إنه رحمه الله استنبط له حلا غريبا بعد مقدمات مؤلفة من خرافات كثيرة

أغرب منه، خلاصته أن الشمس لها نفس عاقلة مدركة كروح الإنسان، وأن هذه

النفس هي التي تصعد فتسجد تحت العرش، ويبقى جسم الشمس المضيء على ما

يراه الناس. ولم أره تجرد من عقله واستقلاله العلمي وأثبت عدة خرافات خلط فيها

بين تخيلات الفلاسفة والصوفية والمبتدعة كما فعل في هذه المسألة، عفا الله عنه،

ومن شاء فليرجع إلى عبارته فيه.

***

حاصل أقوال العلماء والعبرة به

وحاصل ما أوردناه من كلام المفسرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين أنهم

اتفقوا على أن الحديث مشكل كما قلنا، وأنهم أنكروا منه السجود تحت العرش

واحتجاب الشمس عن الدنيا، وكانت أجوبتهم عن السجود أقوى من أجوبتهم عن

الاحتجاب، وإن أحدا منهم لم يكفر أحدا ممن استشكله، ولا رماه بتكذيب الله

ورسوله وأن لم يسلم له تأويله، وأن جوابنا في حل الإشكال أظهر من جميع

أجوبتهم، وأننا على توفيقنا هذا لخدمة السنة قد رمانا محرر مجلة الأزهر زورا

وبهتانا بما علم القارئون، ولنا أن نتمثل بقول الشاعر:

وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود.

***

خاتمة البحث في تحدينا لمشيخة الأزهر فيه

قد علمتم أيها المسلمون مما شرحته لكم في هذه المسألة أن أحد كبار هيئة

علماء المشيخة الرسميين ومحرري مجلتها الرسمية قد افترى علينا في المسألة بغير

أمانة ولا علم، وترك الذين قد يصدقون كلامه في هذا الحديث، وربما كانوا مئات

الألوف في حيرة أو شك من دينهم، إذ علموا منه أن الحديث يدل على أن الشمس

تغيب عن الأرض كلها بعد غروبها عنهم، وجميع الذين تعلموا الجغرافية منهم،

وكثير من غيرهم يعلمون علما يقينيا أن الشمس لا تغيب عن الأرض طرفة عين،

وإنما تغرب عن قوم وتطلع على آخرين، كما قال بعض كبار علماء الإسلام

المتقدمين، فكان الواجب على هذا العالم أن يرشد المسلمين أولا إلى الجمع بين

معنى الحديث الذي أخبرهم أنه متفق عليه وبين اعتقادهم القطعي لما يخالف

مضمونه قبل أن يقول لهم أن الذي لا يعتقد صحته يكون مكذبا لله ولرسوله، وهم

لا يستطيعون هذا الاعتقاد، وإنني بعد أن بينت لهم ما عندي من حل الإشكال وما قاله

العلماء الذين استشكلوا الحديث من قبل، وأن ما قلته هو الذي يطمئن به القلب،

أتحدى الأستاذ الأكبر شيخ الأزهر ومن شاء من هيئة كبار العلماء (غير الدجوي

الذي ليس له في علم الحديث جمل ولا ناقة، ولا يذكر منه في مقدمة ولا ساقة، بل

هو يعد أعظم حفاظه كالذهبي في عصره أعداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم

ويطعن في صدقهم) أن يبينوا للأمة طرق هذا الحديث وما يصح منها بحسب

اصطلاح المحدثين وما لا يصح، وما يجب على المسلمين أن يصدقوه مما يخالف منه

المشاهدة وما تقرر في علم المنطق وعلم الجغرافية الذي يدرس في الأزهر وفي جميع

مدارس هذا العصر، إما بالجمع بين الأمرين جمعا معقولا، وإما بتكذيب الحس وما

أثبته العلم إن كان مستطاعا، إذا كانوا لا يوافقوننا على ما ذكرنا من إعلال متنه

وأصح أسانيده، فهذه سبيل العلماء حماة الدين لا الافتراء على العلماء الذين هداهم الله

إلى هذه الحماية قبلهم، والتعالي والتنفج بسلطان الألقاب الرسمية التي لا قيمة لها

عندهم، وإيقاع الناس في شك من دينهم، وإذا لم يكف شيخ الأزهر مرءوسيه عن

مثل هذا العدوان والبهتان فسأتحداه بمناظرات أخرى في علم التوحيد وفي التفسير

والحديث، وإن خالفت مقتضى الحلم والتواضع الذي اعتصمت به إلى الآن.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) يشعر هذا اللفظ بأن قائله غير أبي ذر وهو يدل على روايته بالمعنى كما قلنا.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

الشيخ محمد عبد القادر المليباري

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٣٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٣٥١