تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفتكوا بما بقي من أثر العلم النظري النابع من عيون الدين الإسلامي فانحرفت

الطريق بسالكيها، ولم يعد بين الناظرين في كتب السابقين إلا تحاور في الألفاظ أو

تناظر في الأساليب، على أن ذلك في قليل من الكتب اختارها الضعف وفضلها

القصور.

ثم انتشرت الفوضى العقلية بين المسلمين تحت حماية الجهلة من ساستهم،

فجاء قوم ظنوا في أنفسهم ما لم يعترف به العلم لهم، فوضعوا ما لم يعد للإسلام

قبل باحتماله. غير أنهم وجدوا من نقص المعارف أنصارا، ومن البعد عن ينابيع

الدين أعوانا، فشردوا بالعقول عن مواطنها، وتحكموا في التضليل والتكفير،

وغلوا في ذلك حتى قلدوا بعض من سبق من الأمم في دعوى العداوة بين العلم

والدين، وقالوا لما تصف ألسنتهم الكذب: هذا حلال وهذا حرام، وهذا كفر وهذا

إسلام. والدين من وراء ما يتوهمون، والله جل شأنه فوق ما يظنون وما يصفون،

ولكن ماذا أصاب العامة في عقائدهم ومصادر أعمالهم من أنفسهم بعد طول الخبط

وكثرة الخلط؟ شر عظيم، وخطب عميم) اه.

(6) جوابنا عن الإشكال في الحديث:

علم مما تقدم أننا ذكرنا مضمون حديث الشمس في ذلك المقال مع أحاديث

أخرى من أحاديث الشيخين المشكلة من باب التمثيل لإثبات قلة أمثالها في

الصحيحين ولم يكن من موضوع المقال إيراد ألفاظها ولا الحكم في المشكلات، ثم

إننا بينا في موضعين من المنار رأينا في الإشكال، بما يبرئ الرسول صلى الله

عليه وسلم من كل ما عصمه الله منه، كما أشرنا إلى ذلك في المقال الأول من بياننا

هذا للأمة.

إجمال ذلك أنني وجدت أن أصح رواياته التي اتفق عليها الشيخان هي ما

أخرجاه من طريق الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر هكذا بالعنعنة

وإبراهيم التيمي قال الحافظ في التقريب: ثقة ولكنه يرسل ويدلس، فهذه علة في

سند أصح روايات الحديث تبطل الثقة بها، ولمسلم رواية من طريق أخرى ذكر

فيها الراوي سماع إبراهيم من أبيه مع عنعنته ولم يعتد بها البخاري، وثم روايات

أخرى لا يصح شيء منها سنذكر بعضها، ولذلك عدت فاعتمدت إعلاله من ناحية

متنه.

وبيان ذلك أنه في أمر غيبي يكثر خطأ الرواة في أمثاله ويختلفون في فهمها

فيروونها بالمعنى الذي فهموه وكثيرا ما يكون فهمهم خطأ، وأكثر الأحاديث المروية

بالمعنى لا بلفظ الرسول صلى الله عليه وسلم يكثر الاختلاف في ألفاظها ومعانيها

حتى الأمور الحسية التي يفهمها كل أحد كالطهارة وصفة الصلاة، فإذا لم يجد شراحها

وجها وجيها للجمع بينهما حملوها على تعدد ما وردت فيه حتى قال بعضهم بتعدد

المعراج لكثرة الاختلاف والتعارض في رواياته.

وقد بينت وجوه الدفاع عن الأحاديث المشكلة بالتعارض وغيره في مواضع من

المنار وتفسيره أهمها الكلام في أشراط الساعة ولا سيما أحاديث المهدي والدجال

فإن التعارض والتناقض فيها كثير جدا.

وإنني أنقل للأمة هذين الجوابين بحروفهما مع عزوهما إلى مواضعهما من

المنار والتفسير لتأكيد تكذيب مجلة الأزهر في زعمها الذي تقدم:

الجواب الأول في علة السند

جاء في الصفحة 725 من مجلد المنار الثاني والعشرين وفي حاشية ص 211

من جزء التفسير الثامن ما نصه:

(ومن هذه الأحاديث في الباب حديث أبي ذر جندب بن جنادة الذي يعد متنه

من أعظم المتون إشكالا فهو يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم سأله: أتدري أين

تذهب الشمس إذا غربت؟ قال: قلت: لا أدري، قال (إنها تنتهي دون العرش فتخر

ساجدة ثم تقوم حتى يقال لها: ارجعي، فيوشك يا أبا ذر أن يقال: ارجعي من حيث

دخلت، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل) وهذا الحديث رواه

الشيخان من طرق عن الشعبي عن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي عن أبيه عن

أبي ذر وهو - أي إبراهيم - على توثيق الجماعة له مدلس، قال الإمام أحمد: لم

يلق أبا ذر، كما قال الدارقطني: لم يسمع من حفصة ولا من عائشة ولا أدرك

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٣٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٣٤٥