تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كلي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده؛ فإنما قوامه بروح إلهي

سمي في لسان الشرع ملكا، ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسمي هذه المعاني

القوى الطبيعية إذ كان لا يعرف من عالم الإمكان إلا ما هو طبيعة أو قوة يظهر أثرها

في الطبيعة، والأمر الثابت الذي لا نزاع فيه هو أن في باطن الخلقة أمرا هو مناطها

، وبه قوامها ونظامها، لا يمكن لعاقل أن ينكره، وإن أنكر غير المؤمن بالوحي

تسميته ملكا، وزعم أنه لا دليل على وجود الملائكة، أو أنكر بعض المؤمنين بالوحي

تسميته قوة طبيعية أو ناموسا طبيعيا؛ لأن هذه الأسماء لم ترد في الشرع، فالحقيقة

واحدة والعاقل من لا تحجبه الأسماء عن المسميات [وإن كان المؤمن بالغيب يرى

للأرواح وجودا لا يدرك كنهه، والذي لا يؤمن بالغيب يقول لا أعرف الروح، ولكن

أعرف قوة لا أفهم حقيقتها، ولا يعلم إلا الله علام يختلف الناس، وكل يقر بوجود

شيء غير ما يرى ويحس ويعترف بأنه لا يفهمه حق الفهم، ولا يصل بعقله إلى

إدراك كنهه، وماذا على هذا الذي يزعم أنه لا يؤمن بالغيب وقد اعترف بما غيب

عنه لو قال أصدق بغيب أعرف أثره وإن كنت لا أقدر قدره، فيتفق مع المؤمنين

بالغيب، ويفهم بذلك ما يرد على لسان صاحب الوحي، ويحظى بما يحظى به

المؤمنين؟] اه ما قاله الأستاذ الإمام في المسألة وهو محل التهمة، وهذه العبارة

التي بين العلامتين هكذا [] قد كتبها بقلمه كالتي قبلها.

***

خلاصة ما تقدم من الرد على هذه البهيتة

(1) إن عقيدتنا وعقيدة شيخنا الأستاذ الإمام في الملائكة هي عقيدة سلف

الأمة الصالح، وهي أنهم من عالم الغيب الذي نؤمن بكل ما جاء في كتاب الله،

وثبت عن رسوله صلى الله عليه وسلم من أخباره، من غير تأويل ولا زيادة ولا

نقصان ولا رأي ولا قياس، وقد أكثرنا من الشواهد على هذه العقيدة، وخلاصتها

أن الملائكة من عالم الأرواح العاقلة المستقلة، وأنهم أنواع لكل منها وظائف

وأعمال خاصة به لا نبحث عن حقيقتها بآرائنا.

(2) إن علماء الكلام ومن تبعهم من المفسرين والفقهاء يتأولون أكثر أخبار

الغيب من صفات الله وأسمائه ومنها بعض ما ورد في الملائكة.

(3) اتفاق علماء السلف والخلف في الأمة على تأويل شيئا منها تأولا مبتدعا

لا ينقض شيئا من أمور الدين القطعية المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة

وهو مذعن للأمر والنهي يكون معذورا في تأوله فلا يحكم بكفره.

(4) إننا نقلنا عن أستاذنا في تفسير قصة آدم أن بعض المفسرين من علماء

الخلف المتأولين ذهب إلى أن مجموع ما ورد في نوع الملائكة الموكلين بالأعمال

(من إنماء نبات وخلقة حيوان وحفظ إنسان وغير ذلك لا في كل أنواع الملائكة فيه

إيماء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة) وخلاصة هذا الايماء أن الروح

الإلهي الذي قام به نظام هذه الأعمال هو أمر وجودي خفي لا ندرك حقيقته، وأن

المعنى الإيمائي - لا المطابقي لمعنى النصوص - يتفق مع قول الذين يثبتون هذا

الروح الخفي من المنكرين للوحي وعالم الغيب، ويعبرون عنه بالقوى الطبيعية في

الأشياء؛ لأنهم إذا سئلوا عن حقيقة هذه القوى يعترفون بأنهم لا يعرفونها، وبهذا

يكون الخلاف في التسمية، فالمؤمنون بالوحي يسمون ما به نظام هذه المخلوقات

بالملائكة، ومن لا يؤمنون بالوحي يسمونها القوى الطبيعية، والجامع بين

التسميتين أن ذلك أمر يعرف بأثره ولا تعرف حقيقته.

فالأستاذ يحكي هذا عن بعض المفسرين وأنهم قالوه من باب الإيماء والإشارة لا

من باب التفسير للنص أو الظاهر من العبارة. وصرح بأن غرضه منه أن من يميل

إليها ويطمئن إليها قلبه لا يكون كافرا خارجا من هذه الملة السمحة، فهو لم يكن

موافقا لهم على هذا الإيماء بل لم يكن موافقا لهم على ما قالوه من أن هذا النوع من

الملائكة هم المراد بمثل قوله تعالى: ( ﴿والنازعات غرقا﴾ (النازعات: 1)

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٣٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٣٣٥